إباحة وطن بموجب اتفاق

| شوقي عواضة | كاتب وإعلامي

 

عملت قوى الاستعمار والاستكبار عبر التّاريخ على تجريد الدّول من قوّتها تسهيلاً لاحتلالها واستعمارها بموجب معاهدات أو اتفاقيات تحت عناوين برّاقة ومختلفة يمكن تلخيصها ضمن مجموعة من القواعد التي سنّتها الدّول الاستعماريّة ومهندسو سياستها لتفكيك قوّتها للسيطرة عليها.

وفي هذا الصّدد يقول مهندس الخراب في دولنا هنري كيسينجر (“إذا أردت أن تسيطر على دولة، فاجعل جيشها بحاجة إليك، وقرارها الأمني في يدك)، وفي هذا الصّدد يقول ديفيد روكفلر أحد أعمدة النّظام المالي العالمي (نحن لا نحتاج إلى جيوش، بل إلى نظمٍ سياسية تعتمد علينا في أمنها)، وهو ما تحاول الولايات المتحدة الأميركيّة فرضه على المنطقة من لبنان إلى سورية والعراق واليمن وإيران وأيّة دولة تمتلك قرارها السيادي الحرّ وفقاً للقواعد الآتية:

1 ـ السّيطرة على القرار السياسيّ والتحكّم بالاقتصاد وإيجاد أدوات سياسيّة وإعلاميّة داعمة لمشاريع الاحتلال بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة.

2 ـ تفكيك الوحدة الوطنيّة والقدرات العسكريّة وتحجيمها على مستوى الجيوش وافتعال أزمات داخليّة أو خارجيّة تجعل من الأميركي منقذاً انسانيّاً!

3 ـ فرض اتفاقياتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ وعسكريّةٍ وفرض عقيدةٍ قتاليّةٍ مغايرةٍ للجيوش وتحوّلها إلى حرس حدود للعدوّ.

وهنا لا بدّ من استحضار بعض الشّواهد التاريخيّة القديمة والمعاصرة على هشاشة أيّ نظام أو دولة لا تستند إلى القوّة العسكريّة للدفاع عن سيادتها وهنا لا بدّ لنا من الاستشهاد بهزيمة الدّولة العثمانيّة في الحرب العالمية الأولى وإجبارها على توقيع معاهدة سيفر وهي واحدة من أكثر المعاهدات الاستعماريّة تفكيكاً وإذلالاً في التاريخ، وُقّعت بعد الحرب العالمية الأولى عام 1920، وأدّت إلى تقسيم الدولة واحتلال مساحات شاسعة من الأراضي العثمانيّة من قبل الحلفاء ومهّدت لاحقاً لما سُمّي بـ سايكس ـ بيكو ووعد بلفور.

أمّا فرنسا فقد شهدت توقيع اتفاق هدنة مع ألمانيا النازية بعد الحرب العالميّة الثانية في 22 يونيو 1940 كانت أولى ثماره إنشاء حكومة فيشي بقيادة المارشال فيليب بيتان والتي عملت على تنفيذ أوامر الاحتلال الالماني بدءاً بتجريد الجيش الفرنسي من سلاحه وتقسيم فرنسا لمناطق خضعت للاحتلال النازي وحكومة بيتان التي تتلقّى أوامره.

أمّا اليوم فالشواهد العصريّة واضحة وجليّة وما حدث في سورية التي أسقطت بموجب اتفاق كان من نتائجه تدمير قدرات الجيش السّوري وحلّه واحتلال جزء كبير من الأراضي السّورية من قبل العدوّ الاسرائيلي وتركيا إضافة إلى توسع النفوذ الأميركي كلّ ذلك حصل بموجب اتفاقٍ دولي تحت عنوان التّغيير الذي كان أول إنجازاته شنّ عمليات إبادة ضدّ الأقليات في السّاحل السّوري وفي السويداء.

أمّا في لبنان فلا بدّ لمن يتابع مجريات الأحداث منذ ولادة الكيان اللقيط في فلسطين المحتلّة يلحظ مدى إرهاب وعدوانيّة العدوّ الاسرائيلي الغدّة السرطانيّة التي تنمو وتكبر على الدماء. فلأول مرّة عبر الصراع العربيّ الإسرائيلي تسجّل مقاومة لبنانيّة عربيّة انتصارات على الجيش الذي قيل بأنّه لا يُقهر فتحرّر الأرض والأسرى وتعطي لبنان قوّة في الدّفاع عن سيادته في مواجهة العدو الاسرائيليّ والإرهاب الداعشي. حتى في معركتي إسناد غزّة على مدى سنة وشهرين و”أولي البأس” التي تصدّت على مدى 66 يوماً من المواجهات مع العدوّ الاسرائيليّ المدعوم أميركيّاً وغربيّاً وعربيّاً ومنعت تقدّمه إلى القرى الأماميّة التي لم يدخلها إلّا بعد تفاهم وقف إطلاق النّار فعاث دماراً وقتلاً ولا يزال حتى السّاعة دون رادعٍ لعدوانيّته، فرعاة الاتفاق العاجزون عن إلزام العدوّ بوقف اعتداءاته اليوميّة هم ليسوا وسطاء بل شركاء وحلفاء في العدوان والإجرام الذي يرتكبه العدوان والشّريك الأكبر في ذلك العدوان هي حكومة نواف سلام الخانعة والزاحفة لإرضاء السّعودي قبل الأميركي والعدوّ الاسرائيلي قبل الجميع.

فـ موجب ورقة برّاك التي استجاب لها (فيشي لبنان) كشف لبنان أمام العدو وأباح له القتل وشنّ الغارات اليوميّة على لبنان دون أيّ رادع وهو بذلك يشرّع لبنان للاحتلال وللمزيد من عمليّات التوغّل ضمن سيناريو موّحد رسمه الأميركي والعدوّ الاسرائيلي لسورية ولبنان. فإذا كان الجولاني قد سلّم سورية بموجب اتفاق وإصراره على توقيع اتفاق أمنيّ مع العدوّ الاسرائيلي فإنّ نواف سلام مستعد لتقديم كلّ التنازلات حتّى بدون اتفاقيّات فما يصدره له البلاط الملكي باعتباره والي لبنان يلزمه بالتنفيذ دون تردّد ودون الرّجوع إلى ميثاقيّة خطاب العهد للرئيس جوزيف عون متجاهلاً مكوّناً أساسيّاً في لبنان. ويكفي نواف سلام شرفاً مديح الإعلام العبري بإنجازه الذي لن يتحقّق،

فشهادة القائد السابق للقوّات البرية في جيش الاحتلال يفتاح رونتال معلناً أنّ ما يجري في لبنان يمثّل فرصةً تاريخيّة، وهذه الفرصة أتت بفضل أمر واحد وهي المنجزات التي حقّقها الجيش الإسرائيلي في المعركة في العامين الماضيين ونحن أمام اتوستراد مفتوح نحو اتفاقٍ تاريخي بيننا وبين لبنان من الواضح أنّ المسؤوليّة الأمنية ستبقى بإيدينا.

أمّا رئيس قسم السايبر الشاباك سابقاً ايرز كرينر فقد أعلن أنّه على “إسرائيل” أن تحافظ على النقاط الخمس التي سيّطرت عليها ما نسمّيه الحزام الأمني، وأن نحافظ على نشاطاتنا في لبنان وأن نبقى دائماً مع الإصبع على الزناد.

أيّ سيادة تلك التي يريدها نواف سلام مع عدو يده على الزناد، وإذا أراد ان ينتزع السلاح عليه أولاً ان ينتزع سيادة لبنان في المحافل الدوليّة وعليه ان يتجرّأ بانتزاع حقّ لبنان بالدّفاع عن نفسه، فسلام الذي كان يتحدّث في السراي عن السّيادة وعن حقّ لبنان بالدّفاع عن نفسه (إذا تعرّض لعدوان) كانت طائرات العدو تغير على البقاع.

وما تبنّي حكومة سلام لورقة برّاك سوى مغامرة لإشعال لبنان وخدمة للعدوّ الذي عجز تحقيق أهدافه على مدى سنتين من العدوان وبالتالي ما عجز عن تحقيقه العدوّ وأميركا حتماً سيفشل في تحقيقه أدواتها أياً كانت، وما يظنّه سلام أنّه إنجازات سيرتدّ ويلات على لبنان ولن تبني له مجداً ولن تعيد لبنان إلى زمن شفيق الوزان وكامل الأسعد وبشير الجميّل، فسلاح المقاومة هو شرف لبنان الذي لن نفرّط فيه أبداً مهما كان الثّمن…