د. محمد حسن سعد / شبكة جبل عامل الإعلامية
في إطار فعاليات للمحافظين الشباب في فينيكس بولاية أريزونا، أدلى الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بتصريحات مثيرة للجدل، مهدداً بإعادة السيطرة الأميركية على قناة بنما، حيث أثار هذا التهديد موجة من التساؤلات حول دوافع هذه التصريحات وتداعياتها المحتملة. وقد جاءت هذه التصريحات على خلفية فرض دولة بنما رسوماً جمركية مرتفعة على السفن الأميركية التي تستخدم الممر المائي، إضافةً إلى مخاوف من تزايد النفوذ الصيني في المنطقة.
دوافع تهديد ترامب بالسيطرة على قناة بنما
1 ـــ النفوذ الصيني المتزايد في بنما
أثارت الإستثمارات الصينية الضخمة في بنما قلق الولايات المتحدة على مدى السنوات الأخيرة، فمنذ العام 2016، وقعت الصين صفقة بقيمة 900 مليون دولار للاستحواذ على جزيرة مارجريتا، وهي أكبر ميناء في بنما على الجانب الأطلسي من القناة، إضافة إلى ذلك، شاركت الشركات الصينية بشكل كبير في مشاريع البنية التحتية المتعلقة بالخدمات اللوجستية والطاقة والبناء، مما جعل الصين شريكاً إستراتيجياً لبنما.
تعكس هذه الإستثمارات توجه الصين لتوسيع نفوذها في منطقة أميركا اللاتينية عبر مبادرة الحزام والطريق، التي انضمت إليها بنما في عام 2018. هذا التوسع أثار مخاوف واشنطن بشأن التأثير على حركة التجارة والمصالح الأمنية الأميركية، خاصة أن القناة تُعد ممراً حيوياً للبضائع المتجهة إلى الولايات المتحدة.
2 ـــ الرسوم الجمركية الباهظة
فرضت بنما رسومًا جمركية مرتفعة على السفن التجارية الأميركية مقارنةً بالدول الأخرى، وهو ما أثار غضب ترامب، الذي اعتبر هذه الرسوم “سخيفة وغير عادلة”، مهدداً بإعادة النظر في إتفاقيات القناة إذا لم تُصحح هذه السياسات. ترامب وصف هذه الرسوم بأنها محاولة لاستغلال موقع القناة الإستراتيجي على حساب المصالح الأميركية، وهو أمر لن يتهاون بشأنه.
3 ـــ الأهمية الإستراتيجية لقناة بنما
تُعد قناة بنما شرياناً حيوياً يربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، مما يجعلها ضرورية للتجارة الأميركية والعالمية. تسهل القناة عبور أكثر من 14 ألف سفينة سنوياً، مما يقلل أوقات الشحن بين السواحل الأميركية الشرقية والغربية، وتُعتبر الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من القناة، حيث تمثل نحو 73% من حركة السفن المارة بها.
4 ـــ مكانة القناة في التجارة العالمية
تمثل القناة 2.5% من حركة التجارة العالمية المنقولة بحراً، مما يجعلها ممراً إستراتيجياً للبضائع بين آسيا وأميركا الشمالية. تعتمد الشركات الأميركية على القناة لنقل السيارات، السلع الإستهلاكية، والغاز الطبيعي المسال.
5 ـــ الإرث التاريخي
تعتبر قناة بنما رمزاً للإرث الهندسي الأميركي، حيث قامت الولايات المتحدة ببنائها في عام 1914 بتكلفة بشرية ومالية هائلة، وفي العام 1977 وقع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر معاهدة مع الرئيس البنمي عمر توريخوس منحت بنما سيطرة حرة على القناة وضمنت الحياد الدائم للممر المائي، ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في 31 كانون الثاني/ديسمبر عام 1999، ومنذ ذلك الحين تدير القناة هيئة قناة بنما التابعة للحكومة، ولا تزال مصدر دخل رئيسياً لبنما، لذا يرى ترامب أن التضحيات الأميركية تمنح بلاده الحق في المطالبة بمعاملة تفضيلية، معتبراً أن بنما لم تلتزم بتقدير هذا الإرث.
التداعيات المحتملة للتهديدات الأميركية
1 ـــ توتر العلاقات بين واشنطن وبنما سيتي
من المتوقع أن يؤدي تهديد ترامب إلى تصعيد التوترات بين البلدين، إذ رد الرئيس البنمي خوسيه راوول مولينو على تصريحات ترامب بتأكيد سيادة بلاده على القناة، قائلاً إن “كل متر مربع من القناة ملك لبنما وسيظل كذلك”. هذا الموقف يعكس إصرار بنما على الحفاظ على إستقلاليتها ورفض التدخلات الخارجية.
2 ـــ إستجابة بنما لضغوط ترامب
قد تلجأ بنما إلى تقديم تنازلات لتجنب تصعيد الصراع مع الولايات المتحدة، ويمكن أن تشمل هذه التنازلات تخفيض الرسوم الجمركية أو إعادة النظر في بعض الإتفاقيات مع الصين. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات قد تواجه معارضة داخلية من جانب البنميين الذين يرون في هذه التصرفات تهديداً لسيادتهم.
3 ـــ تصعيد الصراع بين واشنطن وبكين
التصريحات الأميركية بشأن النفوذ الصيني في بنما قد تؤدي إلى تصعيد التوترات بين واشنطن وبكين، وقد ترد الصين بتكثيف إستثماراتها في أميركا اللاتينية، مما يزيد من الضغط على الولايات المتحدة، الأمر الذي سيتسبب في زيادة التنافس الجيوسياسي على الموارد والممرات المائية.
4 ـــ احتمال تنفيذ التهديد
على الرغم من أن استعادة السيطرة على القناة بالقوة تبدو خطوة بعيدة الاحتمال، فإن مجرد التهديد يعكس تحولاً في سياسة واشنطن تجاه الحلفاء، وقد يؤدي هذا التوجه إلى إعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية، مع التركيز على تعزيز النفوذ الأميركي وتقليص التأثير الصيني.
في الختام يمكن القول، إن تهديد ترامب باستعادة قناة بنما يُعد خطوة جريئة تهدف إلى الضغط على بنما لتعديل سياساتها والحد من النفوذ الصيني. ومع ذلك، فإن تنفيذ هذا التهديد يواجه تحديات قانونية ودبلوماسية كبيرة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، يبقى مستقبل هذا الملف مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تحقيق توازن بين المصالح المتعارضة، ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى في عهد ترامب إلى إعادة تعريف دورها في النظام العالمي، وهو ما قد يترك تأثيراً طويل الأمد على العلاقات الدولية.