الحكومة تلعب بالنار.. هل تتحوّل التحقيقات إلى بوابة لاستهداف المقاومة وإشعال لبنان؟

| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي

 

بين نتائج اجتماعات تامبا الغامضة، والتحقيقات في ملف شاحنة المتفجرات، والاتصالات السياسية لمنع التصعيد، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة قد تتحول فيها الإجراءات القضائية إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة.. فهل تبحث الحكومة عن الحقيقة، أم أنها تسير نحو اختبار خطير مع المقاومة؟

تتجه الأنظار في لبنان إلى المسار الذي ستسلكه الحكومة في ملف شاحنة المتفجرات، وسط معلومات دبلوماسية تتحدث عن نتائج وُصفت بأنها «سيئة جداً» لاجتماعات تامبا، بالتزامن مع ما خلصت إليه التحقيقات في القضية، في مشهد يثير تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان لبنان مقبلاً على تصعيد يتجاوز حدود الملف القضائي إلى مواجهة سياسية وأمنية أوسع.

وفي ظل هذه المعطيات، لا يمكن التعامل مع القضية باعتبارها ملفاً قضائياً معزولاً عن المشهد اللبناني والإقليمي، خصوصاً أن أي قرار حكومي بشأنها قد ينعكس مباشرة على التوازنات الداخلية، في وقت يحتاج فيه البلد إلى احتواء الأزمات لا فتح جبهات جديدة.

فالمشكلة لا تكمن في التحقيق أو في تطبيق القانون، بل في الطريقة التي ستُدار بها القضية، وما إذا كانت السلطة ستفصل بين مقتضيات العدالة والحسابات السياسية، أم ستسمح بتحويل الملف إلى ساحة جديدة للمواجهة مع المقاومة.

وبين العدالة والتسييس.. من يريد دفع لبنان إلى المواجهة؟

تتواصل الاتصالات السياسية بهدف الوصول إلى تسوية تحول دون إحالة الملف إلى المجلس العدلي، في محاولة لاحتواء التداعيات ومنع انتقال القضية إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن موقف حزب الله يقوم على رفض تحويل الملف إلى أداة للاستهداف السياسي، فيما تُطرح المحكمة العسكرية ضمن الخيارات المطروحة لمعالجة القضية في إطار يجنّب البلاد مزيداً من التوتر.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية: ليس المطلوب تعطيل التحقيق أو مصادرة دور القضاء، بل ضمان عدم توظيفه في معركة سياسية تتجاوز الوقائع والأدلة إلى محاولة فرض معادلات جديدة على الساحة اللبنانية.

فالدولة التي تريد تثبيت هيبتها لا تفعل ذلك عبر استدراج البلاد إلى مواجهة داخلية، بل عبر تطبيق القانون على الجميع، بعيداً عن الانتقائية والضغوط السياسية. أما تحويل قضية حساسة إلى اختبار للقوة بين الحكومة والمقاومة، فلن يخدم العدالة، بل قد يفتح الباب أمام أزمة يصعب احتواء نتائجها.

الحكومة أمام اختبار حقيقي.. هل تتحمل عواقب التصعيد؟

تبدأ الخطورة الفعلية إذا اتجهت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات قضائية بحق مسؤولين أو قياديين في حزب الله، من دون تقدير التداعيات السياسية والأمنية المحتملة، أو من دون ضمان أن تكون الخطوات مبنية حصراً على الأدلة والأصول القانونية، بعيداً عن أي توظيف سياسي.

فأي إجراء من هذا النوع، في ظل الانقسام القائم، لن يُقرأ بالضرورة باعتباره خطوة قضائية عادية، بل قد يتحول إلى محور اشتباك سياسي واسع، خصوصاً إذا اعتبرت المقاومة أن الملف يُستخدم لاستهدافها أو لمحاصرة دورها في المعادلة اللبنانية.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى ردود فعل سياسية وشعبية، في ظل رفض الحزب لما يراه استهدافاً له.

وهذا ما يضع الحكومة أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية احترام استقلال القضاء، ومسؤولية منع انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية.

وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه السلطة ليس ما إذا كانت قادرة على اتخاذ قرارات تصعيدية، بل ما إذا كانت تمتلك تصوراً واضحاً لكيفية احتواء نتائجها.

فالحكومة التي تتخذ قراراتها من دون حساب تداعياتها لا تعزز سلطة الدولة، بل قد تجد نفسها أمام أزمة أكبر من قدرتها على المعالجة.

المقاومة ليست الحلقة الأضعف.. ورسائل الضغط لن تغيّر المعادلة

لا يمكن فصل ما يجري عن المناخ السياسي الأوسع، حيث تتعرض المقاومة لضغوط متعددة، في ظل محاولات لإعادة رسم التوازنات الداخلية والإقليمية، وطرح أسئلة متكررة حول دورها وسلاحها وموقعها في الدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتحويل ملف قضائي إلى مواجهة سياسية مع حزب الله ستتجاوز حدود القضية نفسها، لتلامس جوهر الصراع حول شكل لبنان ومستقبل معادلاته الداخلية، ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتهديدات التي تطال البلاد.

وبالنسبة إلى جمهور المقاومة وحلفائها، فإن استهدافها عبر المسارات السياسية أو القضائية يمثل محاولة للضغط على موقعها ودورها، لا مجرد إجراء منفصل عن الصراع السياسي القائم.

لكن من الخطأ الاعتقاد أن الضغوط وحدها قادرة على تغيير المعادلات اللبنانية، أو أن المواجهة الداخلية يمكن أن تحقق ما عجزت عنه محطات الصراع السابقة. فالمقاومة تملك حضوراً سياسياً وشعبياً، وأي مقاربة تتجاهل هذا الواقع ستكون مقاربة ناقصة، مهما امتلكت من أدوات أو قرارات.

من هنا، فإن الحكمة تقتضي عدم تحويل الخلافات إلى معركة كسر إرادات، وعدم استخدام الملفات الحساسة لفرض وقائع سياسية جديدة، لأن الثمن لن تتحمله جهة واحدة، بل قد يدفعه لبنان بأكمله.

غمن يلعب بالنار لن يملك وحده قرار إطفائها..

لم يعد ملف شاحنة المتفجرات مجرد قضية تنتظر استكمال التحقيقات أو قراراً من مجلس الوزراء، بل بات اختباراً لطريقة إدارة الدولة لخلافاتها، ولمدى استعداد السلطة لتحمل مسؤولية خياراتها في مرحلة شديدة الحساسية.

إن كانت الحكومة تريد العدالة، فلتترك القضاء يعمل وفق الأدلة والأصول القانونية، بعيداً عن التسييس والانتقائية. وإن كانت تريد حماية الاستقرار، فعليها أن تدرك أن التصعيد مع المقاومة ليس قراراً إدارياً عابراً، ولا خطوة يمكن احتواء نتائجها بمجرد إصدار بيان أو عقد جلسة حكومية.

أما إذا اختارت السلطة تحويل القضية إلى بوابة للمواجهة، فعليها أن تتحمل مسؤولية هذا الخيار، بدلاً من تحميل الآخرين نتائج قرارات لم تُحسب تداعياتها.

المقاومة ليست الحلقة الأضعف في المعادلة اللبنانية، ولبنان ليس ساحة مفتوحة لتجارب السلطة وحساباتها السياسية. وأي محاولة لاستخدام القضاء لتصفية الحسابات أو فرض وقائع جديدة لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام ورفع منسوب التوتر، في وقت يحتاج فيه البلد إلى تحصين جبهته الداخلية في مواجهة الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.

إن حماية الدولة لا تكون بفتح مواجهة مع مكوّن أساسي من مكونات البلاد، كما أن هيبة القضاء لا تُصان بتوظيفه في الصراع السياسي، بل بضمان استقلاليته وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.

الكرة اليوم في ملعب الحكومة: إما أن تختار التهدئة وتحفظ للبنان استقراره، وإما أن تندفع نحو مواجهة قد تفقد السيطرة على مسارها ونتائجها.

وفي بلد اعتاد أن يدفع أثمان المغامرات السياسية من أمنه واقتصاده وسلمه الأهلي، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة هو أن تفتح باباً للمواجهة، ثم تكتشف أنها لا تملك وحدها قرار إغلاقه.

فمن يراهن على تطويق المقاومة عبر التصعيد السياسي والقضائي، عليه أن يدرك أن لبنان لا يُحكم بمنطق كسر الإرادات، وأن أي مغامرة باستقراره قد تكون كلفتها أكبر بكثير من الحسابات التي انطلقت منها.