السعودية في نفق اليمن.. صنعاء تغيّر قواعد اللعبة وتفرض شروطها على طاولة التفاوض

السعودية في نفق اليمن.. صنعاء تغيّر قواعد اللعبة وتفرض شروطها على طاولة التفاوض

| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي

 

لم تعد الحرب على اليمن معركة يمكن للسعودية أن تحدد بدايتها ونهايتها وفق حساباتها الخاصة..

فالمعادلة تبدّلت، وما كان يُنظر إليه في بداية المواجهة على أنه تفوق عسكري سعودي قادر على فرض شروطه، تحوّل مع الوقت إلى اختبار مفتوح لقدرة الرياض على تحمّل كلفة الحرب وتداعياتها.

اليوم، لا يقف اليمن في موقع الطرف الذي يبحث عن مخرج بأي ثمن، بل بات يمتلك من أوراق القوة ما يسمح له بالدخول إلى أي مفاوضات مقبلة من موقع مختلف تماماً. وهذه هي النقطة التي يبدو أن الرياض لم تقدّرها بالشكل الكافي عندما دخلت المواجهة.

نعم.. أخطأت السعودية في حساباتها عندما اعتقدت أن الضغط العسكري قادر وحده على تغيير المشهد اليمني وفرض وقائع سياسية جديدة. فالسنوات الماضية أظهرت أن الحرب لم تُنهِ قدرة أنصار الله على المواجهة، بل دفعتهم إلى تطوير أدواتهم وتعزيز قدرتهم على التأثير في المعادلات الإقليمية.

والأخطر بالنسبة إلى الرياض أن استمرار المواجهة لا يعني فقط استمرار الاستنزاف، بل يفتح الباب أمام تداعيات أوسع تمس أمن المملكة والخليج، خصوصاً في ظل الحساسية الاستراتيجية للممرات البحرية والمنشآت النفطية وحركة التجارة والطاقة.

وهنا تحديداً تكمن خطورة المعادلة الجديدة: اليمن لم يعد ساحة حرب يمكن عزلها عن محيطها، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أمن الخليج نفسه.

فإنتصارات اليمن تعيد رسم موازين المنطقة.. وان كل تقدم يحققه اليمن في هذه المواجهة لا يُقاس فقط بحسابات الميدان، بل بما ينتجه من نتائج سياسية واستراتيجية.

فحين يثبت طرف قدرته على الصمود، وعلى منع خصمه من تحقيق أهدافه، فإنه يدخل أي مفاوضات لاحقة وهو يحمل رصيداً من أوراق القوة. وهذا تحديداً ما يجعل الانتصارات اليمنية قادرة على تغيير المعادلات، ليس في اليمن فقط، وإنما في العلاقة بين صنعاء والرياض، وفي الحسابات الخليجية والإقليمية عموماً.

لم يعد السؤال: ماذا تريد السعودية من اليمن؟

بل أصبح السؤال أكثر تعقيداً: ماذا يستطيع اليمن أن يفرض على السعودية في أي تسوية مقبلة؟

وهذا التحول بحد ذاته يمثل خسارة كبيرة في الحسابات السياسية التي رافقت بداية الحرب.

المشكلة أن السعودية تجد نفسها أمام خيارات كلها مكلفة.

الاستمرار في الحرب يعني احتمال اتساع التداعيات، فيما التراجع عنها من دون تسوية تحفظ ماء الوجه والمصالح السعودية قد يُقرأ باعتباره إقراراً بفشل الخيارات السابقة.

أما الذهاب إلى التفاوض، فيعني حكماً التعامل مع أنصار الله كطرف يمتلك أوراق قوة حقيقية، وليس كطرف يمكن إملاء الشروط عليه.

ومن هنا، فإن الرياض تبدو أمام نفق مظلم يصعب الخروج منه بسهولة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بقرار عسكري منفرد، وإنما بمستقبل أمن المملكة، وبعلاقاتها مع دول الخليج، وبقدرتها على إدارة مرحلة إقليمية باتت أكثر تعقيداً من السابق.

الأهم أن أي مفاوضات مقبلة لن تبدأ من النقطة التي توقفت عندها المفاوضات السابقة.

اليمن سيدخلها بشروط مختلفة، وبأوراق قوة تراكمت خلال سنوات الحرب، وبمعادلات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

وقد يكون الوسطاء، ومن بينهم الوسيط الإيراني، أمام مهمة شديدة التعقيد: كيف يمكن الانتقال من مرحلة التصعيد إلى تسوية تضمن مصالح الأطراف، من دون تجاهل ميزان القوى الذي أنتجته الحرب؟

وهنا لن تكون القضية مجرد وقف لإطلاق النار، بل ستكون أمام ملفات أكبر: أمن الحدود، الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، مستقبل اليمن السياسي، العلاقات اليمنية الخليجية، والضمانات التي تمنع العودة إلى الحرب مجدداً.

وبالتالي ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها..

لقد دفعت الحرب اليمن إلى موقع مختلف تماماً. فصنعاء التي كان يُراد إخضاعها عسكرياً أصبحت طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بأمن الخليج والبحر الأحمر.

وفي المقابل، تجد السعودية نفسها مضطرة لإعادة تقييم الكثير من الحسابات التي بُني عليها قرار الحرب.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة تفاوض، لكن ليس بالضرورة تفاوضاً بالشروط القديمة.

لقد تغيّر ميزان القوة، وتغيّرت معه قواعد اللعبة.. وهذه نقطة بالغة الأهمية.

فالرياض تدرك أن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق أهدافها، وأن اليمن أثبت خلال السنوات الماضية أنه ليس ساحة يمكن حسمها بسهولة بالقوة العسكرية.

وفي الوقت نفسه، فإن قبول وساطة إيرانية بشكل مباشر قد يحمل كلفة سياسية، خصوصاً إذا ظهر وكأن الرياض اضطرت إلى الحوار نتيجة الضغط العسكري.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تبحث الرياض عن انتصار عسكري، أم عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه ويوقف الاستنزاف؟

وهكذا، من هرمز إلى صنعاء، ومن الرياض إلى طهران، تبدو المنطقة أمام معادلة واحدة:

إما أن تُنتج الحرب تسوية، أو أن تنتج التسوية قبل أن تصبح الحرب أكبر من قدرة الجميع على احتوائها.