ـأمةالملك الخاشب
في السابع والعشرين من سبتمبر 2024، لم يكن المساء عاديًا في بيروت. فلا تزال حرارة الفقد تلتهب في قلب كل محب وعاشق لهذا السيد المجاهد القائد الشجاع الذي أطلق عليه السيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله شهيد الإسلام والإنسانية ولن ننسى ملامح السيد عبدالملك في خطاب الرثاء والحزن والنعي للسيد حسن والحزن يتوشح وجهه الطاهر الذي لطالما واجه العدو شامخا صادقا فأطلق لقب شهيد الإسلام والإنسانية , وهذا أعظم لقب يحتوي في طياته معاني قد لا تترجمها الحروف ولا تسعها المجلدات فهنيئا لك يا شهيد الإسلام والإنسانية ..فلن تُنسى من ذاكرتنا ولا ذاكرة الأجيال القادمة فقد تخلدّت مع ذكرى عاشوراء التي عرفك الناس من خلالها وارتبطوا بك وجدانيا بدموعك على جدك الحسين عليه السلام وحسرتك على ما فعلوه بزينب الحوراء عقيلة بني هاشم ……
في ذلك اليوم المشؤوم
اهتزت الضاحية الجنوبية تحت قصف هائل، وتصاعد الدخان من حارة حريك، فيما كان العدو الإسرائيلي يبحث عن رجل أمضى أكثر من ثلاثة عقود في مواجهته. عشرات القنابل الثقيلة انهالت على المكان، وانهارت مبانٍ في المنطقة المستهدفة، لأن الاحتلال قرر أن يغتال السيد حسن نصر الله بقوة نارية هائلة.
وحين جاء الخبر، كانت الجملة أقسى من أن تُستوعب سريعًا: وكان وقعها أشد من وجعا على القلوب من أثر السيوف أو وقع الرصاص فعاش الملايين حالة صدمات نفسية غير مستوعبين أنهم سيسمعون هذه العبارة أو أنها حقيقة مطلقة
استشهد السيد حسن نصر الله.
لم يكن وقعها على بيروت وحدها. وصلت إلى غزة وصنعاء، وإلى كل مكان عرف فيه الناس ذلك الصوت الذي رافقهم سنوات طويلة.
كيف يمكن لصوت اعتادت أجيال أن تسمعه وهو يتحدث بثقة عن النصر أن يصمت؟
وكيف يصبح الرجل الذي انتظر الملايين ظهوره على الشاشة، بإصبعه المرفوعة ونبرته التي يعرفونها جيدًا، صورة شهيد؟
من الجنوب إلى غزة.. بوصلة لم تتغير
منذ توليه الأمانة العامة لحزب الله عام 1992، ارتبط اسم نصر الله بأبرز محطات المواجهة مع العدو الإسرائيلي؛ من تحرير معظم جنوب لبنان عام 2000، إلى حرب تموز 2006، ثم سنوات طويلة عاشها تحت تهديد الاغتيال، وصولًا إلى طوفان الأقصى وجبهة إسناد غزة.
تغير العالم من حوله، وسقطت حكومات، وتبدلت تحالفات، واشتعلت حروب وانطفأت أخرى، وبقيت فلسطين في مكانها من قلبه وخطابه.
كان حسيني العقيدة والوجدان، يرى في كربلاء معنى الثبات والتضحية ونصرة المظلوم، لكنه لم يجعل المذهب سورًا بينه وبين أبناء أمته.
لم يسأل طفل غزة عن مذهبه قبل أن ينصره، ولم يسأل مقاتلي حماس إن كانوا سنة قبل أن يقف معهم.
كان يعرف أن الأقصى لا مذهب له، وأن فلسطين أكبر من كل المذاهب.
ولهذا ظل يدعو إلى الوحدة الإسلامية ويحذر من الفتنة والتشرذم؛ لأن الأمة التي تستنزف نفسها في صراعاتها الداخلية تمنح عدوها ما لم يستطع انتزاعه منها في ساحات المواجهة.
وعندما جاء طوفان الأقصى، لم تبق فلسطين مجرد كلمات. فُتحت جبهة الجنوب لإسناد غزة، ودخل حزب الله مواجهة دفع فيها مقاتلوه وقادته أثمانًا باهظة، وظل نصر الله في قلبها حتى أيامه الأخيرة.
كانت فلسطين القضية الأم في حياته، وكانت غزة آخر معاركه.
واليمن يعرف معنى الوفاء
لليمنيين مع السيد حسن نصر الله قصة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
في مساء 27 مارس/آذار 2015، وفي اليوم الثاني من بدء الحرب على اليمن، خرج نصر الله في خطاب متلفز واتخذ موقفًا واضحًا من الحرب في وقت كان فيه الصمت أسهل وأقل كلفة.
ومنذ تلك اللحظة، ظل اليمن حاضرًا في كلماته ومواقفه؛ تحدث عن مظلومية شعبه، وعن القصف والحصار، ووقف عند المجازر التي تعرض لها المدنيون، ومنها مجزرة الصالة الكبرى في صنعاء في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2016.
لكن ما يكشف مكانة ذلك الموقف في نفسه أنه عاد إليه بعد نحو عام.
ففي 1 مارس/آذار 2016، استذكر كلمته الأولى عن اليمن وقال:
«أشرف شيء قمت به في حياتي هو الخطاب الذي ألقيته في اليوم الثاني من الحرب السعودية الوحشية على اليمن».
يا الله… أي مكانة كان يحتلها اليمن في قلب هذا الرجل؟
رجل عاش تحرير الجنوب، وقاد المقاومة في حرب تموز، وأمضى سنوات تحت تهديد الاغتيال، ثم ينظر إلى ذلك التاريخ كله ويضع كلمته في نصرة اليمن في هذه المنزلة!
لهذا أحبه اليمنيون وبادلوه الوفاء بالوفاء .
لم يحبوه لأن أحدًا طلب منهم ذلك؛ فالشعوب تعرف من وقف معها في ساعة المحنة، وتحفظ الأسماء التي لم تخذلها عندما خذلها الآخرون.
حين كان اليمن تحت النار، وحين كانت صور أطفاله ونسائه وبيوته المهدمة تمر أمام عالم اختار كثير منه الصمت، جاء صوت نصر الله من بيروت ليقول إن لهذا الشعب مظلومية لا يجوز السكوت عنها.
لم يكن اليمن بالنسبة إليه خبرًا بعيدًا في نشرات السياسة، ولم تكن دماء أبنائه أرقامًا.
ولهذا عندما استشهد، لم يشعر كثير من اليمنيين أنهم فقدوا قائدًا لبنانيًا بعيدًا.
فقدوا رجلًا عرف وج
عهم، ورفع صوته من أجلهم، ثم قال إن ذلك الصوت الذي رفعه نصرةً لهم كان من أشرف ما فعله في حياته.
فكيف ينسى اليمنيون رجلًا قال عن وقوفه معهم كلامًا كهذا؟
ثم دارت الأيام، وإذا باليمن الجريح نفسه يقف إلى جانب غزة، وإذا بنصر الله يتابع بإعجاب شعبًا لم تمنعه جراحه من نصرة فلسطين. وقد استمر في إشادته بالموقف اليمني، ورؤيته في تفاعل اليمن مع فلسطين رغم الحصار قوةً لمحور المقاومة.
وكأن بين صنعاء وبيروت عهدًا لم يحتج يومًا إلى أن يُكتب:
وقف معنا حين كان اليمن ينزف، ووقف اليمن مع فلسطين حين كانت غزة تنزف.
آهٍ لفقدك سيدي…
وهنا يصعب عليّ أن أكتب عنه بلغة السياسة والتاريخ وحدهما.
فبعض الرجال يدخلون ذاكرتنا من باب المواقف، ثم يصبحون مع السنوات جزءًا من وجداننا.
آهٍ لفقدك سيدي…
أنت أعز عزيز على قلوبنا، وأصدق صديق.
أنت من تربينا على صوتك وهو يصدع بالحق والنصر، وعلى إصبعك المرفوعة التي كانت تهدد العدو وتتوعده.
أنت الذي دافعت عن حمى هذه الأمة، وصنت شرفها وكرامتها، وواجهت أعداءها بالجهاد، وبالكلمة، وبالتبيين، وبالعلم كذلك.
كان صوتك يبعث فينا الأمان. وكانت طلّتك عبر الشاشة تعيد رسم الأمل في قلوب كل من يراك، بأن النصر قادم، وأن هذا العدو الذي طالما حاول أن يبدو عصيًا على الهزيمة ليس كذلك. وتعود إلى الذاكرة عبارته الشهيرة عن إسرائيل بأنها «أوهن من بيت العنكبوت».
كم تبدو الشاشة مختلفة حين يغيب عنها ذلك الوجه.
وكم يصبح الغياب ثقيلًا عندما نعرف أن صوتًا رافق أعمارنا لن يعود ليطل علينا في خطاب جديد.
هذه ليست كلمات مؤرخ يكتب عن قائد مضى؛ إنها مشاعر جيل عاش معه انتصاراته ومواجهاته، وانتظر خطاباته، وشعر بالقوة حين كان يتحدث عن العدو بثقة رجل عرفه في الميدان قبل أن يتحدث عنه أمام الكاميرا.
عزيز الروح كان… وعزيز الروح بقي.
أرادوا إسكات الصوت بكل هذه النار
كان العدو الإسرائيلي يعرف جيدًا من يريد اغتياله.
ولهذا جاءت ضربة 27 سبتمبر بقوة تدميرية هائلة. عشرات القنابل الثقيلة ضُرب بها المكان في منطقة مأهولة، وتحدثت تقارير عن استخدام أكثر من ثمانين قنبلة في عملية الاغتيال.
والمشهد يعيد إلى الذاكرة تاريخًا طويلًا من الاغتيالات الإسرائيلية التي طالت قادة فلسطينيين ولبنانيين على مدى عقود، فيما دفعت عائلات ومدنيون أثمانًا باهظة في حروب متلاحقة.
من فلسطين إلى لبنان، لم تكن النساء والأطفال بمنأى عن آلة الحرب. بيوت تهدمت فوق ساكنيها، وأمهات بحثن بين الركام عن أطفالهن، وأطفال خرجوا من تحت الأنقاض بلا آباء أو أمهات.
وكان نصر الله يعرف طوال سنوات أنه على قائمة الاغتيال.
لم يكن ينتظر شيخوخة هادئة.
عرف الطريق الذي اختاره وعرف أثمانه المحتملة، ومع ذلك ظل في قلب المواجهة حتى جاءه الموت في ذروة أكثر معارك المنطقة ألمًا: غزة.
كأن خاتمة الرجل أرادت أن تشبه حياته:
فلسطين حتى النفس الأخير.
فلسطين التي كانت أكبر من المذهب
كان السيد حسن نصر الله حسينيًا في عقيدته ووجدانه؛ يرى في الحسين مدرسةً للثبات ونصرة المظلوم ورفض الخضوع، لكنه لم يفهم العقيدة الحسينية باعتبارها جدارًا بين المسلمين.
لهذا وقف مع حماس السنية، ومع مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية، دون أن يرى في الاختلاف المذهبي سببًا للتراجع عن نصرة فلسطين.
لم تمنعه شيعيته من الوقوف مع مقاومة سنية، ولم تمنعه لبنانيته من حمل هم غزة، ولم تجعل المسافة بين بيروت وصنعاء اليمن بعيدًا عن ضميره.
كانت القضية بالنسبة إليه أوضح من كل محاولات التقسيم:
هناك شعب مظلوم، وهناك احتلال، وهناك مقدسات، وهناك أمة لا ينبغي أن تمزقها المذاهب بينما عدوها يستهدف الجميع.
ولهذا ظل يحذر من الفتنة والتشرذم، ومن تحويل الخلاف المذهبي إلى معركة تستنزف المسلمين وتنسيهم فلسطين.
وحين استشهد، لم يبق الحزن محصورًا داخل بيئته السياسية والمذهبية؛ فقد تجاوز أثر الرجل حدود حزبه وطائفته وبلده، لأن فلسطين التي ارتبط بها اسمه لم تكن قضية طائفة.
لقد عاش عقودًا في مواجهة العدو الإسرائيلي، وارتبط اسمه بتحرير الجنوب وحرب تموز وفلسطين وغزة، ثم ختم حياته في معركة الإسناد.
وربما كان ذلك أبلغ رد على كل من حاول اختصاره في مذهب:
الرجل الذي أرادوا حبسه داخل الطائفة، قضى آخر أيامه يقاتل من أجل غزة.
ذلك الصوت الذي افتقدته صنعاء
في اليمن كان الوجع مختلفًا.
فالرجل الذي وقف مع اليمنيين في واحدة من أصعب مراحل تاريخهم أصبح هو نفسه شهيدًا.
كانوا يعرفون صوته، ويتذكرون كلماته عن بلدهم، ويعرفون أنه دفع ثمن مواقفه ولم يتراجع عنها.
لذلك كان نعي السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي له محمّلًا بمعنى يتجاوز اللغة السياسية.
كان وداع رفيق قضية وطريق.
وجاءت العبارة بحجم ذلك الحزن:
«وداعًا يا نجمًا مضيئًا في سماء المجاهدين».
.سلام عليك يوم حملت همّ أمتك، ويوم وقفت مع اليمن في محنته، ويوم جعلت فلسطين فوق المذهب، ويوم واجهت عدوها، ويوم مضيت شهيدًا في الطريق الذي عرفته واخترته منذ البداية.
عزيز الروح… شهداء الامة
يد الإسلام والإنسانية.
وإنا على العهد.