بقلم الإعلامي خضر رسلان
تعيش المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل المؤشرات العسكرية مع المسارات السياسية، في مشهد يوحي بأن التصعيد ما زال قائماً، لكنه لم يبلغ بعد نقطة الانفجار الكبير. فالتطورات الميدانية الأخيرة تعكس استعدادات متبادلة ورفعاً لمستوى الجهوزية، بالتوازي مع استمرار محاولات إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، ولو بصورة غير مباشرة.
على المستوى الأميركي، يبدو أن واشنطن رفعت من حالة التأهب العسكري في عدد من المواقع الحساسة، في رسالة تؤكد استعدادها لمواجهة أي تطور غير محسوب، لكنها في الوقت نفسه لا توحي بوجود قرار نهائي بالذهاب إلى حرب واسعة. ويبدو أن الرهان لا يزال قائماً على استثمار الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض، مع إدراك أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع الجميع إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
في المقابل، تواصل “إسرائيل” تعزيز إجراءاتها الدفاعية بعد مراجعة نتائج المواجهات السابقة مع إيران، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير وسائل الإنذار والتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أن النشاط الجوي والاستطلاعي على أكثر من جبهة يعكس خشية حقيقية من عمليات مفاجئة قد تستهدف مواقع أو شخصيات ذات أهمية.
أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتواصل التأكيد أن سياستها تقوم على تثبيت معادلة الردع ومنع فرض الوقائع بالقوة، مع التشديد على أنها لا تسعى إلى إشعال مواجهة شاملة، لكنها في المقابل لن تتردد في الرد على أي اعتداء يستهدف سيادتها أو أمنها القومي أو مصالحها الاستراتيجية. وترى طهران أن امتلاكها لقدرات صاروخية ومنظومات متطورة وطائرات مسيّرة يشكل عامل توازن يهدف إلى منع الحرب أكثر مما يهدف إلى خوضها، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام أي مسار سياسي أو تفاوضي يقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.
وتشير المعطيات إلى أن سلاح المسيّرات بات يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات العسكرية للأطراف المعنية، سواء في مهام الرصد أو في تنفيذ عمليات دقيقة، الأمر الذي يفرض تحديات جديدة على منظومات الدفاع التقليدية، ويجعل هامش المفاجأة أكبر من السابق.
أما على صعيد الانتشار العسكري الأميركي في الإقليم، فتؤكد المعلومات استمرار العمل على إعادة توزيع بعض القدرات الدفاعية والهجومية، بما يضمن سرعة الاستجابة لأي تطور، مع التركيز على حماية القواعد المنتشرة في العراق وسوريا والأردن ودول الخليج، والتي تبقى في دائرة الاستهداف المحتمل إذا توسعت رقعة الاشتباك.
اقتصادياً، بدأت آثار التوتر تنعكس على حركة الشركات والاستثمارات، ولا سيما في قطاع الطاقة، حيث دفعت المخاوف الأمنية بعض المؤسسات إلى تعليق أعمالها أو تقليص نشاطها في مناطق تُعد أكثر عرضة للمخاطر، في مؤشر إلى أن التداعيات لم تعد تقتصر على الجانب العسكري، بل بدأت تمتد إلى الاقتصاد الإقليمي وأسواق الطاقة وحركة الملاحة والاستثمار.
وفي الداخل اللبناني، يبقى الجنوب في صدارة الاهتمام، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى، وتواصل الاعتداءات والخروقات، في وقت يواصل الجيش اللبناني أداء مهماته، على الرغم من التوجس من تداعيات ما يُعرف بـ”اتفاق الإطار”، فيما تبدو احتمالات الانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق المحتلة بعيدة في المدى المنظور، الأمر الذي يُبقي الساحة اللبنانية عرضة للتوتر في ظل استمرار الخروقات وغياب أي أفق واضح لتثبيت الاستقرار بشكل نهائي.
وفي المحصلة، تبدو المنطقة أمام معادلة دقيقة تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات السياسة؛ فالولايات المتحدة تواصل سياسة الضغط العسكري بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، و”إسرائيل” تعزز جاهزيتها تحسباً لأي تطور، فيما تتمسك الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمعادلة الرد على أي اعتداء، مع التأكيد أن الحلول السياسية لا تزال خياراً قائماً. وبين هذه المسارات المتوازية، يبقى أي خطأ في الحسابات أو حادث أمني كبير كفيلاً بتغيير قواعد الاشتباك، ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة جميع الأطراف على ضبط إيقاع المواجهة ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، من دون استبعاد أن تفرض السياسة نفسها مجدداً إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد.