بين ترامب وايران.. وسياسة “الضغط الأقصى”

| فراس فرحات |  كاتب ومحلل سياسي

 

 

تتسم العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بتاريخ طويل من التعقيدات والتوترات، وقد شهدت هذه العلاقات تحولات كبيرة تبعًا للإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وقد كان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فترة ولايته الأولى تأثير ملحوظ على هذه الديناميكية، حيث انسحب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) وفرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران فيما عرف بسياسة “الضغط الأقصى”.

ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة في عام 2025، أصبحت التطورات والمستجدات في هذه العلاقة محط اهتمام وتحليل مكثف من قبل الخبراء والمراقبين على الصعيدين الإقليمي والدولي.

 

تصريحات وإجراءات دونالد ترامب تجاه إيران:

 

منذ بداية عام 2025، أدلى الرئيس ترامب بعدة تصريحات علنية بشأن إيران، تمحورت في معظمها حول برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي وقدراتها الصاروخية.

وقد تضمنت هذه التصريحات لهجة حازمة وتهديدات مبطنة بإمكانية اللجوء إلى العمل العسكري إذا لم تتراجع إيران عن مساعيها النووية.

فعلى سبيل المثال، حذر الرئيس ترامب من أن إيران ستكون في “خطر كبير” إذا فشلت المحادثات النووية المحتملة، مؤكدًا على أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي.

 

وقد أثار تصريح الرئيس ترامب المفاجئ بشأن إجراء “محادثات مباشرة” مع إيران حول برنامجها النووي ردود فعل متباينة.

ففي حين أكد ترامب على أن هذه المحادثات قد بدأت بالفعل وستستمر، نفت طهران بشكل قاطع إجراء أي محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة، وأصرت على أن أي حوار سيتم بشكل غير مباشر عبر وسيط. “كسلطنة عمان”.

يعكس هذا التناقض المستمر بين تصريحات ترامب والموقف الإيراني الرسمي عمق حالة عدم الثقة والريبة التي تخيم على العلاقة بين البلدين.

 

إلى جانب التصريحات، اتخذت إدارة ترامب أيضًا خطوات عملية تجاه إيران منذ بداية عام 2025.

وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية أعادت فرض وتكثيف العقوبات الاقتصادية على إيران في إطار سياسة “الضغط الأقصى” التي تبنتها.

وقد شملت هذه العقوبات قطاعات النفط والبنوك والشحن، بهدف خنق مصادر الدخل الرئيسية لإيران والضغط عليها لتقديم تنازلات في برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي..  بالإضافة إلى ذلك، لوحظت تحركات عسكرية أمريكية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك إرسال المزيد من السفن والطائرات الحربية، وهو ما يمكن تفسيره كرسالة ردع لإيران وتأكيد على استعداد الولايات المتحدة للتعامل مع أي تهديدات محتملة.

 

الاتصالات والتفاعلات الدبلوماسية المحتملة:

 

على الرغم من حالة التوتر والتصريحات المتضاربة، فقد ظهرت تقارير تشير إلى إمكانية إجراء محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عمان.

وقد أشارت التقارير إلى أن المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، سيكون على رأس الوفد الأمريكي في هذه المحادثات المحتملة، بينما سيقود وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الجانب الإيراني.

 

ويبدو أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة من هذه المحادثات هو دفع إيران إلى تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي، بما في ذلك وقف تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية وتفكيك أجهزة الطرد المركزي.

في المقابل، من المرجح أن تسعى إيران إلى الحصول على تخفيف للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة من أي اتفاق يتم التوصل إليه، بالإضافة إلى الاعتراف بحقها في برنامج نووي سلمي.

 

ومع ذلك، تبرز بعض الشروط المسبقة والخطوط الحمراء التي قد تعرقل مسار هذه المحادثات المحتملة.. فقد أكد مسؤولون إيرانيون على أن برنامجهم النووي “لا يمكن تفكيكه” وأن قضايا مثل برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني غير قابلة للتفاوض.

من جانبه، يصر ترامب على ضرورة “تفكيك كامل” للبرنامج النووي الإيراني وربما تضمين قيود على برنامج الصواريخ ودعم إيران لحركات المقاومة المسلحة في المنطقة كجزء من أي اتفاق جديد.

 

لا توجد حتى الآن تقارير مؤكدة عن اتصالات مباشرة أو دبلوماسية سرية بين إدارة ترامب ومسؤولين إيرانيين منذ بداية عام 2025. ومع ذلك، فإن مجرد الحديث عن إمكانية إجراء محادثات غير مباشرة يشير إلى وجود قنوات اتصال مفتوحة على مستوى ما، ربما عبر وسطاء مثل سلطنة عمان التي لعبت دورًا في تسهيل الحوار بين البلدين في الماضي.

 

ردود الفعل الإيرانية الرسمية:

 

كانت ردود الفعل الرسمية الإيرانية على تصريحات وإجراءات دونالد ترامب منذ عام 2025 تتسم بالحذر والصلابة في آن واحد.

فقد رفضت طهران بشكل قاطع تهديدات ترامب بالعمل العسكري، وأكدت على قدرتها على الرد بقوة على أي عدوان محتمل.. كما أعرب المسؤولون الإيرانيون عن شكوكهم العميقة بشأن جدية الولايات المتحدة في إجراء مفاوضات حقيقية، مشيرين إلى أن سياسة “الضغط الأقصى” والتهديدات المستمرة تقوض أي جهود دبلوماسية.

 

وقد كان الموقف الإيراني واضحًا بشأن المحادثات المحتملة في عمان، حيث أصرت طهران على أن أي حوار سيتم بشكل غير مباشر عبر وسيط، نافية بذلك تصريحات ترامب حول إجراء محادثات مباشرة.

وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده مستعدة للانخراط في مفاوضات جادة بهدف التوصل إلى اتفاق، لكنه شدد على أن “الكرة الآن في ملعب أمريكا”.

 

فيما يتعلق ببرنامجها النووي، كررت إيران موقفها الرسمي بأنه برنامج سلمي ولا تسعى لامتلاك أسلحة نووية.

ومع ذلك، فقد أكد مسؤولون إيرانيون على أنهم لن يقدموا تنازلات بشأن قضايا تعتبرها إيران جزءًا من أمنها القومي، مثل برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذها الإقليمي.

 

من المرجح أن يؤثر نهج ترامب على الديناميكيات الإقليمية وتفاعلات القوى الأخرى في المنطقة.

فعلى سبيل المثال، قد يشجع ترامب إسرائيل على اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، بينما قد تسعى دول أخرى مثل الصين وروسيا إلى تعزيز علاقاتها مع طهران في مواجهة الضغوط الأمريكية.. كما أن الانقسامات الداخلية داخل إدارة ترامب بشأن كيفية التعامل مع إيران قد تلعب دورًا في تشكيل مسار العلاقات المستقبلية.

 

في الختام، يمكن القول بأن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تحت إدارة دونالد ترامب في عام 2025 لا تزال تتسم بالتعقيد والتوتر، مع وجود فرص ضئيلة لتحقيق انفراجة كبيرة في المستقبل القريب.

ويتطلب أي تحسن في هذه العلاقات تغييرًا في مواقف الطرفين وتقديم تنازلات متبادلة، وهو ما يبدو غير مرجح في ظل الظروف الراهنة.