ترامب على الشجرة… وأردوغان يبحث عن سلّم

| خضر رسلان | كاتب واعلامي لبناني

 

كشفت صحيفة حرييت التركية عن اقتراح قدّمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للرئيس الأميركي دونالد ترامب، يقضي بعقد لقاء عبر الفيديو مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في محاولة لفتح قناة تواصل مباشرة بين واشنطن وطهران.

الخبر، وفق ما تداولته وسائل إعلام متعددة، ليس مجرد تسريب عابر، بل يعكس حراكًا سياسيًا حقيقيًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

غير أنّ قراءة هذا التطور بمعزل عن السياق الأوسع تُفقده معناه الحقيقي. فما يجري لا يبدو مبادرة سلام مكتملة الأركان، ولا مسارًا تفاوضيًا جديًا، بقدر ما هو محاولة لإدارة مأزق، وخصوصًا من جانب الرئيس الأميركي.

ترامب اليوم يقف في منطقة حرجة:
لغة التهديد استُهلكت، وخيار الحرب مكلف وخطير، والتراجع بلا مقابل يُعد هزيمة سياسية داخلية لا يستطيع تحمّلها. هو رئيس صعد عاليًا على شجرة التصعيد، لكنه يفتقر إلى سلّم آمن للنزول. ومن هنا، تبدو فكرة “مكالمة فيديو” مع القيادة الإيرانية كأنها تخريجة إعلامية أكثر منها خطوة استراتيجية.
لقطة واحدة، عنوان واحد، مشهد تفاوضي قصير، يمكن أن يُسوّق لجمهوره باعتباره إنجازًا:
“ضغطنا، هدّدنا، ثم فتحنا باب الحوار”.

في السياسة الأميركية الداخلية، هذا المشهد قد يكون كافيًا، حتى لو كان مضمون الحوار فارغًا من أي التزام حقيقي.
أما الدور التركي، فلا يقل أهمية في هذه المعادلة.

أردوغان يحاول تثبيت موقع بلاده كوسيط إقليمي لا غنى عنه، لاعب يقف بين المحاور، لا ينتمي بالكامل إلى هذا الطرف أو ذاك، لكنه حاضر عند كل تقاطع حرج.

تركيا، التي تسعى منذ سنوات لإعادة تعريف دورها في الشرق الأوسط، ترى في هذا النوع من الوساطات فرصة لتعزيز نفوذها السياسي، وإرسال رسالة مزدوجة: إلى واشنطن بأنها ما زالت شريكًا يمكن الاعتماد عليه، وإلى طهران بأنها ليست جزءًا من جبهة العداء المباشر.

لكن السؤال المركزي يبقى:
هل ما طُرح يمكن أن يتحول فعلًا إلى مسار سياسي منتج؟
حتى الآن، المؤشرات لا توحي بذلك.

إيران، التي خبرت جيدًا أسلوب إدارة ترامب، تنظر بحذر إلى أي حوار غير مؤطّر بضمانات واضحة. مكالمة فيديو لا ترفع عقوبات، ولا تعالج ملفات الخلاف الجوهرية، ولا تقدّم التزامات قابلة للبناء عليها. بالنسبة لطهران، الحوار ليس صورة، بل مسار، وأي خطوة لا تندرج ضمن هذا الإطار تبقى شكلية.

من هنا، تبدو المبادرة أقرب إلى مسرح سياسي منه إلى دبلوماسية تقليدية.

ترامب يحتاج إلى مشهد، أردوغان يحتاج إلى دور، أما جوهر الأزمة فيبقى معلّقًا.

لا قرار بالحرب، ولا قرار بالسلام، بل إدارة وقت، وتدوير زوايا، ومحاولة لتأجيل الاستحقاقات الكبرى.

المفارقة أن هذا النوع من التحركات لا يغيّر في ميزان القوى، ولا يعالج أسباب التوتر الحقيقي في المنطقة. هو فقط يمنح الأطراف المعنية فرصة لإعادة التموضع الإعلامي والسياسي، دون الدخول في مواجهة مفتوحة أو تنازل صريح.

في المحصلة، ما نشهده ليس مبادرة سياسية مكتملة، بل تخريجة محسوبة.

ترامب يبحث عن نزول آمن من شجرة التصعيد دون أن ينكسر الغصن.

أردوغان يقدّم نفسه كسلّم محتمل، أو على الأقل كمن يمسك بالحبل.

أما إيران، فتراقب المشهد بعين باردة، مدركة أن السياسة لا تُدار عبر مكالمات عابرة، بل عبر توازنات وقوة وشروط.
هكذا، يقف العالم أمام مشهد مألوف في السياسة الدولية:
ضجيج بلا حسم، وحوار بلا مضمون، ومسرحية قصيرة عنوانها العريض:

كيف يدير اللاعبون الكبار أزماتهم… من دون أن يعترف أحد بأنه مأزوم.