| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي
تدخل المفاوضات العسكرية اللبنانية–الإسرائيلية في تامبا مرحلة شديدة الحساسية، وسط مؤشرات سياسية وميدانية توحي بأن إسرائيل لا تتعامل مع هذه الجولة باعتبارها مجرد محطة تقنية للبحث في آليات تنفيذ التفاهمات، بل تسعى إلى توظيفها لتكريس وقائع جديدة فرضتها على الأرض، وتحويل طاولة التفاوض إلى مساحة لإدارة هذه الوقائع بدل معالجة أسبابها.
ومن هنا، تبدو مهمة الوفد العسكري اللبناني أكثر تعقيدًا، خصوصًا أنه يدخل المفاوضات حاملاً مجموعة من الملفات التي يفترض أن تشكل أساسًا لأي تفاهم قابل للتنفيذ، وفي مقدمتها آلية التحقق، والجهات الدولية المسؤولة عنها، وحدود صلاحياتها ومسؤولياتها، وانتشار الجيش اللبناني، وتوسيع المناطق التجريبية، وصولًا إلى القضية الأكثر حساسية، أي الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة.
غير أن هذه الملفات، التي يفترض أن تكون موضع بحث وتفاوض، اصطدمت مسبقًا بسقف إسرائيلي مرتفع. فقد استبق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو جولة التفاوض بما يشبه «تفخيخها سياسيًا»، من خلال رسم ملامح واضحة للمقاربة الإسرائيلية للمرحلة المقبلة، تقوم على إبقاء الجنوب اللبناني تحت الضغط العسكري والأمني، تحت عنوان ملاحقة حزب الله، وربط استمرار العمليات العسكرية بما تسميه إسرائيل الوصول إلى «صناعة السلام مع لبنان».
وبذلك، لا يعود الأمر متعلقًا فقط بما سيُطرح داخل قاعة التفاوض، بل بما يجري فرضه خارجها. فبينما يبحث الوفد اللبناني في آليات التحقق والانتشار والانسحاب، تواصل إسرائيل تكريس واقع ميداني مختلف، عبر التفجير والهدم والحرق والعمليات العسكرية، بما يجعل الوقائع التي تفرضها على الأرض جزءًا من أوراقها التفاوضية.
وهذا تحديدًا ما يطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن بناء مسار نحو السلام في الوقت الذي تُبقي فيه إسرائيل الجنوب ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية؟ فإذا كانت الاعتداءات مستمرة، والاحتلال قائمًا، والانسحاب غير مرتبط بجدول زمني واضح، فإن الحديث عن «صناعة السلام» يصبح، وفق هذه المعادلة، أقرب إلى غطاء سياسي لإدارة واقع أمني وعسكري طويل الأمد.
وفي هذا السياق، تبدو المعلومات عن توجه الوفد الإسرائيلي إلى التفاوض أكثر دلالة، إذ تشير إلى محاولة تكريس الوقائع الميدانية القائمة، والتمسك بالسردية التي رُوّجت لها واشنطن، والتي تجعل نزع سلاح حزب الله وفق جدول زمني محدد أولوية أساسية، من دون أن يقابل ذلك التزام إسرائيلي واضح بخارطة طريق للانسحاب.
وهنا تحديدًا تظهر العقدة الأساسية التي قد تواجه المفاوضات: هل يكون نزع السلاح جزءًا من تفاهم متكامل ومتبادل، أم يتحول إلى بند منفصل يُطلب من لبنان تنفيذه، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلًا ومفتوحًا على الشروط والذرائع؟
فإذا سارت المفاوضات بهذا الاتجاه، فإنها لن تكون أمام مسار متوازن يقوم على التزامات متقابلة، بل أمام معادلة أحادية الجانب: لبنان مطالب بتنفيذ ما عليه وفق جدول زمني، بينما تحتفظ إسرائيل بهامش مفتوح لتحديد شروط انسحابها وتوقيته، مع استمرار قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية في الجنوب.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الاحتلال، وإنما في تحويل الاحتلال نفسه إلى ورقة تفاوضية، بحيث تصبح الاعتداءات والوقائع الميدانية أدوات للضغط من أجل انتزاع تنازلات إضافية من الجانب اللبناني، بدل أن تكون موضع معالجة وضمانات واضحة في أي اتفاق.
وبالتالي، فإن معركة الوفد اللبناني في تامبا لا تتعلق بالتفاصيل التقنية وحدها، بل تتعلق قبل كل شيء بتحديد طبيعة المسار الذي ستسلكه المفاوضات: هل ستكون طريقًا إلى وقف الاعتداءات والانسحاب وترسيخ الاستقرار، أم ستتحول إلى إطار سياسي لإدارة احتلال طويل الأمد وحرب استنزاف مفتوحة؟
وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الذي سيحكم جولة تامبا لا يقتصر على ماذا سيطلب لبنان وماذا ستطلب إسرائيل؟ بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر جوهرية: هل يكون نزع السلاح جزءًا من تسوية متوازنة تقابلها خطوات إسرائيلية واضحة، وفي مقدمتها الانسحاب، أم يصبح مدخلًا لتكريس معادلة «نزع السلاح أولًا والانسحاب لاحقًا» من دون سقف زمني؟
إذا نجحت إسرائيل في فرض المعادلة الثانية، فإن الجنوب لن يكون أمام تسوية تنهي الصراع، بل أمام صيغة جديدة لإدارته: احتلال مستمر، واعتداءات متواصلة، وحرب استنزاف طويلة الأمد، تحت غطاء مسار تفاوضي يفترض أن يقود، نظريًا، إلى السلام.