يرصد المقال تحوّل المواجهة في جنوب لبنان إلى حرب غير تقليدية يعيد فيها حزب الله صياغة قواعد القتال والردع بمرونة عالية، في مقابل تعثّر إسرائيل أمام نموذج حرب يستند إلى الاستنزاف والتكيّف بدل الحسم العسكري التقليدي.
في نظر ووردن، ليست الحرب مجرد مواجهة بين جيوش متقابلة، بل عملية منهجية تستهدف تفكيك نظام العدو من الداخل إلى الخارج. ومن هذا المنطلق، قسّم البنية الكلية للخصم إلى خمس حلقات متتابعة:
- في المركز: القيادة السياسية والعسكرية، بوصفها العقل المدبّر وصانع القرار.
- الأنظمة الحيوية: وتشمل منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات، ومراكز إدارة الطاقة والمعلومات.
- البُنى التحتية: من شبكات نقل وطاقة ومرافق لوجستية.
- السكان: الذين يشكّلون قاعدة الاستمرار المادي والمعنوي للحرب.
- القوات الميدانية: الحلقة الخارجية والأكثر ظهوراً في ساحة القتال.

- جوهر هذه النظرية أن توجيه ضربات متزامنة ومركّزة إلى أكثر من حلقة في الوقت نفسه يُفضي إلى شلل نظامي شامل، يتجاوز أثر القصف التقليدي الذي يطال أهدافاً معزولة. فالفكرة لا تنحصر في الاستخدام الجوي كما اعتُقد في بداياتها، بل تمثل إطاراً لتنظيم تسلسل الأولويات العملياتية وضبط توقيت الضربات بما يضمن إحداث انهيار وظيفي داخل منظومة العدو، بحيث يُختلّ توازنه الداخلي بوتيرة أسرع من استنزاف موارده تدريجياً.هكذا طبّقت إسرائيل “الدوائر الخمس” في ضرب حزب اللهعند تطبيق “الدوائر الخمس” ضد خصوم يفتقرون إلى مرونة المناورة أو إلى شبكات قيادة بديلة، يتضاعف أثر النظرية، إذ يمكن للضربة الشاملة أن تُحدث كلفة بشرية ومؤسسية تعيد تشكيل المشهدين السياسي والعملياتي معاً.
استناداً إلى ذلك، تحرّكت إسرائيل وفق بنية تنفيذية متكاملة ارتكزت إلى جمع المعلومات، ودقة التوقيت، والتنسيق بين الوسائل، وذلك على النحو الآتي:
- أولاً: توفير معطيات استخبارية آنية، عبر مزيج من صور الأقمار الاصطناعية، والاستطلاع الجوي والميداني، واستخبارات الإشارات (SIGINT)، والمصادر البشرية، بما زوّد مخططي الضربات بصورة ديناميكية لخرائط الأهداف وسلاسل الإمداد.
- ثانياً: توظيف هذه المدخلات في تشكيل حزم ضرب متزامنة — جوية وصاروخية ودقيقة التوجيه — صُممت لاستهداف عقد القيادة والاتصال، ومخازن الذخيرة، ومحاور الإمداد، ضمن نافذة زمنية قصيرة تقلّص قدرة الخصم على إعادة الانتظام.
- ثالثاً: الانتقال إلى التزامات لاحقة تمثلت في تثبيت نتائج الضربة، عبر استمرار الجهد الاستخباري والمراقبة الدائمة، واستهداف شبكات إعادة الإمداد، ومنع استعادة القدرة التشغيلية خلال نافذة التعافي، إلى جانب إبقاء كلفة سياسية وعملياتية مترتبة على أي محاولة لإعادة التمركز.
في موازاة ذلك، لا يمكن عزل الأثر الميداني للهجوم الإسرائيلي عن امتداداته السياسية والاجتماعية. فتعطيل قدرات الخصم قد يقود إلى تحولات داخلية — كضغط شعبي، أو انشقاقات في التحالفات، أو تغيّر في موازين القوى المحلية — ما قد يُنتج بدوره ديناميكيات إقليمية تؤثر في قدرة الجهة المهاجمة نفسها على مواصلة عملياتها. وهذه كانت إحدى النتائج الإضافية التي راهنت عليها إسرائيل بوصفها مكسباً مهماً إذا تحقق، لكنها لم تحصد منها شيئاً.
البنية التنفيذية للهجمة الإسرائيلية على الحزب (2023–2026)
في هذا الإطار، كتب عوديد عيلام في صحيفة “يسرائيل هيوم” بتاريخ (17/4/2026): “على إسرائيل أن تتخلى عن إستراتيجية الهدم الدفاعي، وأن تنتقل إلى مقاربة التفكيك وإعادة البناء. فالخطوات المطلوبة بعد الإخفاقات التي شهدناها تتمثل في دمج العمليات العسكرية والاقتصادية والسياسية ضمن ضربة قاضية… ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تتركّز هذه العمليات على حسم الموقف”.
ويفصّل عيلام رؤيته عبر تحديد مسارح العمليات وأولوياتها، فيضع الضاحية الجنوبية في صدارة الاستهداف، بوصفها “مركزاً متعدد الأوجه: قيادةً، ودعايةً، ومؤسساتٍ مجتمعية، وأحياناً بنيةً مالية”. ثم ينتقل إلى البقاع باعتباره “مساحة ذات عمق”، وإلى بعلبك–الهرمل التي يصفها بأنها “الخلفية الإستراتيجية” للحزب.
ولا يقتصر الطرح على البعد العسكري الصرف، بل يمتد ليشمل استهداف البيئة المدنية والاقتصادية والمؤسسات المرتبطة بالحزب، بالتوازي مع إضعاف حضوره السياسي، وصولاً إلى الدعوة لإلغاء الوجود الدبلوماسي الإيراني في لبنان بالكامل.

صدمة لبنان الجديدة
تحليلياً، لا يمكن لأي تقييم لنتائج الحملة الهجومية أن يقتصر على المقاييس النيرانية أو اللوجستية فحسب، بل لا بد من دمجه بمؤشرات اجتماعية وسياسية، لأنها وحدها الكفيلة بتحديد ما إذا كانت النافذة الزمنية التي أوجدتها الضربة ستُستثمر فعلياً لإحداث تغيير دائم في وضع الخصم، أم أنها ستتحول إلى فرصة مؤقتة تُستنزف سريعاً.
هنا تحديداً وقعت إسرائيل في فخ الأرقام والمبالغات، حتى باتت ضحية ذاتية لحربها النفسية على المقاومة.
كان يُفترض، وفق الحسابات الإسرائيلية، أن يقود كل ما سبق إلى نصر سهل في المعركة التالية، أو على الأقل إلى مواجهة سريعة وخفيفة الكلفة. إلا أن ما حدث كان إعادة إنتاج، على مدى شهر ونصف تقريباً، للمشهد ذاته الذي واجهه الجيش الإسرائيلي في 2024، بما استنزف جنوداً وعتاداً وآليات لتثبيت واقع كان يُفترض أنه أصبح خلف ظهر الاحتلال.
اللافت أن إسرائيل حاولت في 2026 تكرار منهج العمل نفسه، “لكنها أخطأت في أمور عدة”، بحسب مصدر عسكري في المقاومة، من بينها الحسم في تقدير أن “سهام الشمال” وما تلاها من آلاف الضربات خلال 15 شهراً قد أفضت إلى حزب ضعيف بالكاد يستطيع الوقوف على قدميه في أي مواجهة لاحقة.
الخطأ الثاني، وفق المصدر، تمثل في التعامل مع الجسم الظاهر للحزب على أنه الجسم الأساسي والوحيد. “انطلقت إسرائيل من فرضية أنها تعرف كل شيء؛ كيف لا وهي التي اغتالت الأمين العام التاريخي للحزب السيد حسن نصر الله… وواصلت الإطباق الاستخباري”، قبل أن يستدرك: “لقد سيطر شعور التفوق النوعي على عقول الإسرائيليين جميعاً، من صانعي القرار إلى أصغر رتبة عسكرية على الأرض”.
في هذا الجانب تحديداً، عمل الحزب — وفق المصدر نفسه — بذكاء على “ترك الإسرائيلي يعيش نظريته حتى النهاية”، وبدأ ببناء أجسام صغيرة وموازية تعمل ضمن حلقات منفصلة. فالشخص الذي ينقل الصاروخ أو المسيّرة من البقاع أو بيروت إلى الجنوب لم يعد هو نفسه الذي يتولى إيصالها إلى المنشأة المعنية. جرى فصل السلاسل عن بعضها بعضاً: التصنيع، والتركيب، والتوصيل، والتدشيم، وغيرها.
ويضيف المصدر: “عمل القادة العسكريون للحزب، ومنهم من استشهد في اغتيالات خلال أشهر وقف النار السابقة للمواجهة الجارية، بسرية مطلقة، إلى درجة أن المستوى السياسي نفسه لم يكن يملك إجابات تفصيلية واضحة كما كان سابقاً… يمكن القول إننا عدنا إلى الثمانينيات والتسعينيات، حين كان سر نجاحنا أننا كنا نعمل في بيئة معادية من كل الأطراف: جزء كبير من الدولة اللبنانية، والسلطات السورية، والقوات الدولية، فضلاً عن الاحتلال الإسرائيلي ومعه أجهزة مخابرات غربية وأميركية لا متناهية”.
في مقالة بعنوان “أن تكون متقدماً على ‘العدو’ بخطوتين” (“يديعوت أحرونوت”، 7/4/2026)، كتب شحار سيغال: “لا يُفهم دائماً الفرق بين 2024 (عملية السهام الشمالية) والواقع الحالي. فعندما شنّ الجيش العملية، فوجئ حزب الله ولم يكن مستعداً لاحتمال اختراق عميق في قيادته، ولذلك فشل في تحقيق هدفه”، قبل أن يستدرك: “هذه المرة انقلبت الصورة؛ فقد كان الحزب يستعد لهذا السيناريو، وفي لحظة الحقيقة اختار المبادرة، ما أتاح له العمل بفعالية”.
ويتابع سيغال: “الفكرة بسيطة بل قاسية في بساطتها: لسنا مضطرين لإقناع الخصم، بل لتحطيم آماله في بناء واقع ذي قوة منيعة. عندما يدرك الطرف الآخر استحالة النصر، سيتوقف عن الحلم به… لكن ذلك لا يحدث في يوم واحد؛ ففي المرة السابقة استغرق الأمر 25 عاماً”.
ويضيف: “هنا يكمن الفرق بين النصر في المعركة والنصر التاريخي… فالتهديدات لا تختفي بل تتبدل، وأهم تبدّل هو فينا نحن: في المبادرة، والعمق، والتفكير الاستشرافي، وألا نكون مجرد متفاعلين، بل صانعين متقدمين بخطوتين على العدو”.
وقد تجلّت النتائج في اعتراف المؤسسة الأمنية، في 4/4/2026، بأن إنهاء الحرب في لبنان ممكن من دون تحقيق نزع سلاح حزب الله، “لأن تفكيك التنظيم هدف إستراتيجي بعيد المدى لا يمكن إنجازه بالوسائل العسكرية وحدها، بل عبر مسار تدريجي متعدد الأدوات”.
وبحسب تقديرات نقلتها “يديعوت أحرونوت”، بات نزع سلاح الحزب بالكامل يُوصَف داخل المؤسسة العسكرية بأنه “هدف معقد يتطلب السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية والوصول إلى كل قرية، وهو ما لا يتماشى مع الظروف الميدانية والسياسية”.
لذلك شدد الجيش على “التواضع” في تحديد الأهداف، لترتكز الإستراتيجية الجديدة على إقامة ما يشبه “حزاماً أمنياً” عبر تدمير واسع للبنية في الخط الأول من القرى الحدودية، على غرار نموذج “الخط الأصفر” الذي طُبّق في قطاع غزة، بحيث تُمنع عودة السكان إلى هذه المناطق في أي تسوية، ولا سيما في المواقع التي استخدمها الحزب لإطلاق الصواريخ وتنفيذ الهجمات.
وفي خلفية هذا “التراجع”، كتبت شيرا بربيفاي شاحام في “يديعوت أحرونوت” (8/4/2026) أن “الحالات المرتبطة بإيران وحزب الله في الجولة الحالية، وحماس قبل 7 أكتوبر، تكشف عن إخفاق مستمر في قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تقييم جاهزية العدو بعد كل جولة قتال، سواء من حيث نياته — أي مستوى ردعه — أو من حيث قدراته، مثل سرعة إعادة بناء القوة العسكرية وإنتاج الصواريخ والعتاد”.
تشريح واقع ما قبل حرب 2026
قبل الانتقال إلى شرح واقع المعركة الحالية والإجابة عن الأسئلة الملحّة التي تفرضها هذه الحرب المستمرة، لا بد من استعراض المشهد الذي سبق اندلاعها، استناداً إلى لقاءات ميدانية خاصة مع مقاتلي الحزب وبعض قادته الذين نجوا من الحرب السابقة.
على مستوى المقاومة، يمكن تلخيص الواقع في النقاط الآتية:
- المقاتلون والمقدرات كانوا تحت النار من دون ردود مباشرة على الاحتلال. ووفق مسؤولين ميدانيين، فإن “جزءاً من عدم الرد كان يهدف إلى تجنّب كشف آلية العمل الجديدة والحفاظ على حالة الإبهام”، إلا أن ذلك “كان يعني تحمّل التضحيات، ولا سيما في الجهاز المكشوف والمعروف سلفاً، حفاظاً على المستجدين وما هو تحت الرادار”.
- خسارة قيادات وكوادر أساسية يصعب تعويضها سريعاً، إلى جانب انقطاعات في سلاسل التدريب التخصصي التي كانت تُجرى في سوريا وعبرها، وفي إيران، وحتى داخل لبنان نفسه، فضلاً عن صعوبات لوجستية في التصنيع، وأخرى أمنية وتقنية، وكذلك مالية.
- تراجع في الرصيد المعنوي، في مقابل مطالبة القيادة بالصبر، رغم شبه يومية الاغتيالات، واستمرار نزوح القرى الحدودية، وغياب أفق واضح للإعمار، وتصاعد الحديث عن حلول سياسية كبرى يُخشى أن تكون على حساب الجنوبيين.
- واقع مجتمعي مأزوم، نتيجة تعقيدات خيارات النزوح في حال تجدد الحرب، مع ضغط سياسي وإعلامي مكثف، وخطاب يتحدث عن “هزيمة كبرى”، بالتوازي مع تسارع خطوات الدولة لإنهاء الوجود المسلح عبر إعلان انتهاء مرحلة جنوب الليطاني والانتقال إلى شمال النهر.

في المقابل، وعلى الصعيد الإسرائيلي، يمكن رصد أبرز المؤشرات التالية:
- فترة استراحة جيدة نسبياً لجيش الاحتلال منذ التهدئة في غزة (10/2025) وحتى الحرب على إيران (3/2026)، أي ما يقارب أربعة أشهر متواصلة، كانت كافية مبدئياً لانتعاش القوات، وإراحة الاحتياط، وإعادة جدولة التدريبات، في سياق مراجعة شاملة للجبهات، واستكمال الترقيات والتغييرات العسكرية والأمنية.
- تنفيذ مناورات وتدريبات، بعضها مجدول وبعضها طارئ، داخلية وخارجية، على سيناريوات متعددة، من أبرزها مناورات إنزال في الضفة، ذات جغرافيا شبيهة في بعض أوجهها بالبيئة الجنوبية والبقاعية وكذلك السورية، بما يعكس افتراض استعداد الجيش لأي عمل هجومي أو دفاعي واسع.
- رصيد معنوي جيد نسبياً؛ فرغم طول أمد الحرب وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية الخطرة على إسرائيل ومستقبلها، كان المجمع العسكري–الأمني والشركات المرتبطة به يعيش حالة نشوة انتصار مرتفعة، وشعوراً بالقدرة على الإنجاز في أي ساحة.
- نشاط ملحوظ لوزارة الأمن والشركات الصناعية لتعويض النقص في الذخائر الهجومية والدفاعية، وإعلان مرحلة “الأمان” مع دخول ما سُمّي “عهد الليزر” لحماية سماء إسرائيل، إلى جانب نشاط استخباري مكثف جداً على مختلف الجبهات.
تسلسل مفاهيمي لواقع ما قبل حرب 2026
انطلاقاً من هذا المشهد، كان على حزب الله ورجاله أن يتحركوا في ظل اختلال كبير في التوازن: ردع مفقود، جراح عميقة، حرب أمنية مفتوحة، وفقدان عناصر قوة أساسية. وذلك ضمن واقع ميداني وأمني لا تزال أبرز محدداته حتى اليوم:
- مراقبة دائمة من الجو والفضاء والبحر، إضافة إلى شبكات العملاء.
- إعادة تفعيل جميع أجهزة المراقبة الحدودية التي كان الحزب قد بذل جهداً كبيراً لتدميرها خلال جبهة الإسناد.
- عمليات تجسس أميركية وبريطانية وفرنسية وعربية مكثفة في لبنان، جواً وأمنياً.
- نسف مبانٍ، توغلات مفاجئة، وعمليات خطف وأسر.
- انخفاض الكثافة السكانية في الجنوب، بعدما كانت تشكّل غطاءً مهماً لتحركات المقاومين.
- مصادرة كميات كبيرة من السلاح أو تفجيرها، سواء عبر العمل الإسرائيلي المباشر أو بواسطة القوات الدولية والجيش اللبناني بطلب أميركي.
- قيود سياسية وأمنية ولوجستية فرضها الجيش والدولة على الحزب… إلخ.
وجاء كل ذلك في سياق واقع تسليحي وتمويلي بالغ الصعوبة، من أبرز مؤشراته:
- انقطاع شبه كامل لخطوط التمويل والتسليح التقليدية (إيران فالعراق فسوريا فلبنان)، مع صعوبة متزايدة في الاعتماد على التصنيع الذاتي، رغم الجهود الكبيرة لإصلاح ما تضرر في المواجهات السابقة (حرب الإسناد، ومعركة “أولي البأس”).
- إعادة تقييم شاملة لسلسلة التوريد في مختلف المقتنيات العسكرية والأمنية واللوجستية ووسائل الاتصال، واعتماد مبدأ الشك في كل شيء إلى أن يثبت العكس.
- ارتفاع كلفة كل شيء: من التهريب، إلى التصنيع العسكري المباشر، إلى الصناعات ذات الاستخدام المزدوج… وسائر المقدّرات، في ظل ضغط مالي كبير ناجم عن الأعداد المفاجئة والمرتفعة من الشهداء والجرحى والأسرى وعائلاتهم.
في النقطة الأخيرة تحديداً، يلفت مسؤولون عسكريون ومدنيون إلى أن الحزب واجه لأول مرة استحقاقاً واسع النطاق في ملف الشهداء والجرحى. ويمكن فهم ذلك عبر تتبع المسار الآتي:
- خلال حرب تحرير الجنوب بين 1982 و2000، قدّم الحزب نحو 1284 شهيداً وآلاف الجرحى، على مدى 18 عاماً.
- في حرب 2006، استشهد نحو 1200 شخص، لم يتجاوز عدد المقاومين منهم 300، فيما كان الباقون مدنيين (نحو 900)، إلى جانب مئات الجرحى من صفوف المقاومة، خلال نحو شهر واحد. (وللمقارنة، تحدثت التقديرات الإسرائيلية آنذاك، بمبالغة، عن 600–800 شهيد من مقاتلي الحزب، بينما قدّرت الدولة اللبنانية والأمم المتحدة العدد بنحو 500).
- في الحرب السورية بين 2011 و2024، استشهد أقل من 2000 من اللبنانيين والسوريين المحسوبين على الجسم التنظيمي، مع آلاف الجرحى، على مدى نحو 13 عاماً.
- في “أولي البأس”، استشهد ما لا يقل عن 2500 مقاوم خلال 66 يوماً (من أصل 4047 ضحية لبناني)، وأصيب الآلاف، بينهم نحو 4000 خلال أيام معدودة (17–23 أيلول 2024)، منها 300 حالة خطرة مع استشهاد نحو 40، وقد سبقهم نحو 400 شهيد خلال أشهر “جبهة الإسناد” (10/2023–8/2024).
- في الحرب الجارية، لا تتوافر أرقام دقيقة، لكن تقديرات لبنانية تشير إلى أقل من ألف شهيد من المقاومين، من أصل 2545 شهيداً في لبنان حتى 21/4/2026 وفق وزارة الصحة اللبنانية، مع إصابات تتجاوز 7700 شخص، وقد سبقهم مئات الشهداء خلال 15 شهراً من “اتفاق وقف النار”.

إلى جانب العبء المالي الكبير الذي خلّفته مواجهات 2023 و2024، والضغط الهائل على قدرات الاستيعاب الطبية والاستشفائية لدى الحزب، فإننا نتحدث — من حيث النسبة والتناسب — عن أرقام فاقت القدرة الداخلية على الاستيعاب خلال فترة زمنية قصيرة جداً، ما جعل الحرب الماضية الأخطر والأقسى منذ تأسيس الحزب.
وبالإضافة إلى اغتيال القادة والضربات الأمنية، قدّم الحزب خلال شهرين ما لم يقدّمه خلال عقود، وكل ذلك ضمن مساحة جغرافية وزمنية ضيقة. إلا أن “ذلك حال دون وقوع حدث كاسر هو إعادة احتلال الجنوب بعد الضربات والصدمات الكبيرة… وها هو اليوم ينطلق في الحرب الجارية من النقطة التي انتهى عندها في الحرب الماضية”، وفق مصدر مطلع.
يأتي هذا في وقت اعتمد فيه الحزب نمط عمل يهدف إلى تقليص الخسائر البشرية بشكل ملحوظ. فبينما شهدت الأسابيع الأولى من معارك “أولي البأس” (وفق تسمية المقاومة) أكثر من 200 شهيد يومياً، أظهرت المواجهة الحالية نموذجاً عددياً مختلفاً.
صحيح أن ادعاءات الاحتلال — باغتيال 1700 عنصر بمعدل 37 يومياً — تبدو مبالغاً فيها، إلا أنه حتى في أسوأ التقديرات يبقى هذا الرقم أقل بنحو النصف من المعدلات التي تحدث عنها الإسرائيليون في الحرب السابقة (أكثر من 4000 عنصر خلال 66 يوماً، أي بمعدل 60 يومياً).
في هذا المقطع، يتحدث القيادي الشهيد هيثم علي الطبطبائي (اغتيل في 23/4/2025) عن إعادة تعريف الردع، علماً أنه حتى استشهاده كان القائد العسكري الأول المسؤول عن الترميم واستخلاص العبر والاستعداد للحرب المقبلة، مع دور بارز أيضاً لـ”السيد صادق” (الشهيد يوسف إسماعيل هاشم، اغتيال مطلع 4/2026).
في خلفية هذا الكلام، يستحضر مسؤول سابق فكرة الـ70%-30% التي كانت تحكم طبيعة التسليح لدى حزب الله، إذ سعى الأخير إلى ملء مخازنه بالفائض عن الحاجة بأضعاف، على أساس أن احتمالية وصول الإسرائيليين إلى جزء كبير منها أمنياً أو عسكرياً تبقى عالية.
بناء على هذا الأساس جرى العمل بتوصيات من الأمين العام الراحل للحزب، السيد نصر الله، وهي فرضية تقضي بأنه إن استطاع الاحتلال الوصول إلى 70% من القدرات، يجب أن تكون النسبة الباقية (30%) كافية لمواجهة إسرائيل مدة طويلة.
بعدما أعلنت إسرائيل، وتحديداً وزير أمنها السابق، يوآف غالانت، بصفته المهنية مسؤولاً عن التقييم الدقيق، القضاء على ما يصل إلى 80% من قدرات الحزب، وبقيت تعيش نشوة هذا “الإنجاز” نحو نصف عام، جاء “الخبر الفاجع” للدوائر الإسرائيلية المعنية منتصف 2025.
آنذاك وصل التصعيد الإسرائيلي ذروته في 7/2025 ومعها تحذيرات المبعوث الأميركي توماس برّاك من حرب “لا تبقي ولا تذر”، ثم جرى تمديد المدة حتى 1/1/2026 لأن المهمة الأولى في إيران (حرب 12 يوماً) لم تكتمل وكانت إسرائيل بحاجة إلى مزيد من الاستعداد، ولا سيما أن حرب غزة كانت مشتعلة (توقفت بزخمها الكبير في 10/10/2025).
أما السر في “الجنون الإسرائيلي”، فهو المعلومة التي تفيد بأن النسبة معكوسة، وأن المقدرات الباقية لدى حزب الله تتخطى 70%، فالحزب نفسه لم يخرج بهذه الأرقام إلا بعد أشهر من العمل المضني على تفقد المخازن والمنشآت وإحصاء ما بقي سليماً أو ما خرج عن الخدمة أو تضرر جزئياً فضلاً عن الفحص الأمني الشامل لكل شيء.
جرى التداول بهذه النسبة بين أروقة الحزب بوصفها معلومة مهمة للسياسيين وصانعي القرار لفهم الواقع الحالي حتى لو كان “عاماً” دون تفاصيل، وهو ما أدى إلى تسربها لاحقاً الإسرائيلي. يعقب مصدر أمني: “العملية استغرقت أشهراً لأنها معقدة وصعبة وليست مجرد جرد مخازن مليئة بالبضاعة… طبيعي أن يعرف الإسرائيلي الرقم لكن دون تفاصيل”.
مع تقدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) أن استمرار التهريب عبر سوريا أو البحر أو المواد الثنائية الاستخدام قد تضيف 10% إلى القدرات الحالية، وفوقها 10-15% هي ناتج التصنيع المحلي، ستكون النتيجة أن الحزب استعاد غالبية قدراته، وأن الحرب السابقة على قسوتها لم تفضِ إلى النتائج المطلوبة، ولذلك لا بد من العمل مجدداً.
لم تصارح القيادة الإسرائيلية جمهورها بذلك، لأن هذا سيمثل إخفاقاً كبيراً يتبعه استحقاق أكبر، في وقت قفزت إسرائيل إلى مواجهة إيران رأساً برأس لأول مرة بصورة واسعة، وقد جرّت معها الولايات المتحدة أيضاً للمرة الأولى. لكن ما سبق يكذب كل حالة المفاجأة الإسرائيلية من حزب الله الذي أمامها، وإن كان لا يخفي مفاجأة الضباط والجنود على الأرض، لأن ما يعرفونه من قيادتهم ليس ما يرونه.
على صعيد الموازنة المالية، يذكر معنيون أن قادة الحزب قبل “طوفان الأقصى” وبعد الحرب السورية كانوا قد أجروا مراجعة مع الإيرانيين للوضع المالي خلصت إلى أن “التوسع الكبير” في التمويل بسبب المعارك في سوريا بات يستلزم خطة استباقية لكبح الصدمات لاحقاً.
جراء ذلك تقررت إجراءات تقليص وأخرى تقشفية ضمن حساب أنه قد يقع حدث كبير قريباً، وربما يطاول إيران نفسها، ولذا من الجيد البدء في تحجيم الموازنة مبكراً وطوعاً وفي حالة السلم قبل أن يمثل العجز بحد ذاته صدمة كبيرة للحزب وكوادره وأنصاره، وفق المصادر.
يستذكر هؤلاء خطاباً سبق أن هدد فيه نصر الله بتجويع الإسرائيليين إذا قرروا خوض حرب تجويع ضد الحزب، مشيرين إلى حادثة لم تذكر في الإعلام، وهي استهداف إسرائيلي لصناديق خرجت من طائرة إيرانية في دمشق، وظن الإسرائيليون أنها أسلحة لكنها كانت تحمل أموالاً نقدية، ولذلك “وضع السيد معادلة ردع خاصة آنذاك، ولم تتكرر هذه الحادثة”.
لولا تلك الخطة وهذه المعادلة، لكان الواقع اليوم أكثر صعوبة، ولا سيما مع التغطية الكبيرة للجرحى والشهداء وعائلاتهم، فضلاً عن ملف الأسرى الذي أغلقه حزب الله في 2006 لكنه اليوم يعود من أوسع أبوابه، ويضع المقاومة أمام اختبار تحرير الأرض والأسرى مجدداً.
كطائر الفينيق من تحت الرماد!
في “ورشة” التفكير الكبيرة بعد الحرب الأخيرة، وتحت وطأة أسئلة ثقيلة، تقرر البدء من الصفر، فجرت مراجعة شاملة لكل شيء حتى وصلت الإستراتيجيات، ومنها إعادة تعريف الدفاع، ليتقرر بذلك خطة “كيف سنقاتل” في المعركة المقبلة بعدما تأكد أنها مسألة وقت.
“لا بد من تعلم سريع، ومرونة عالية… يجب خلط مزيج من كل شيء”، هذا هو الدرس الميداني الأساسي وفق مصادر عسكرية. أما الدرس الثاني، فهو “بناء أجسام موازية… في كل مهمة أكثر من جسم إذا قضى واحد أكمل الثاني، فالثالث والرابع وهكذا؛ المهم ألا يتوقف العمل لحظة واحدة”.
كان الوقت قصيراً والتجارب زخمة، ما بين التجربة باللحم الحي في 2024 و2025، وتجارب غزة التي غيّر فيها الإسرائيلي تكتيكاته بسرعة وصار يقاتل أيضاً مثل العصابات، وأعدّ مفاجآت للحرب منها مسيّرات “كواد كابتر” التي أرهقت المقاومين. فوق ذلك جاءت عمليات الاحتلال جنوبي سوريا، والتحديات التي يفرضها الوجود الإسرائيلي هناك، إضافة إلى ضرب إيران.
كل هذا فتح ملفات كثيفة وعميقة أمام عقل حزب الله ومعه الضباط الإيرانيون المسؤولون بدورهم عن التقييم والتدريب والتمويل والتعاون. وسط كل هذه الأحداث المتسارعة، والقتل الإسرائيلي المستمر في لبنان، والضغوط المشار إليها محلياً وإقليمياً، وما يمكن الحديث عنه أو التلميح إليه أو حتى يطلب السكوت عليه، كان لا بد من وضع خطوط عريضة للمعركة المقبلة.
في المحصّلة، بهذه العقلية، والروحية المعروفة عن مقاتلي حزب الله، ومطلبية الثأر المتأصلة في التركيبة النفسية الشيعية، استطاع الحزب النهوض مجدداً في هذه الحرب ومفاجأة الصديق قبل العدو، كطائر الفينيق، فماذا عن تفاصيل الحرب والاستعداد لها؟