حين انقلبت الخديعة: كيف شربت “إسرائيل” من الكأس الذي أعدّته لغيرها؟

| خضر رسلان | كاتب واعلامي

“إسرائيل” التي راهنت على الخديعة لتفكيك خصمها، وجدت نفسها أسيرة الخديعة ذاتها. صدّقت روايتها الخاصة، وبنت عليها قرارات استراتيجية كبرى، فإذا بها تصطدم بواقع مغاير تمامًا.

لم تكن الخديعة يومًا سلاحًا بلا ارتداد. في الحروب الكبرى، كثيرًا ما يرتدّ السيف على صاحبه، لا لأن الغمد تغيّر، بل لأن اليد التي استخدمته أخطأت في تقدير اللحظة. هذا بالضبط ما جرى في المواجهة الأخيرة بين “إسرائيل” وحزب الله: استراتيجية خداع مُحكمة في بدايتها، لكنها انتهت بانقلاب عكسي موجع.

قبل “طوفان الأقصى” وما تلاه من حرب الإسناد، أتقنت “إسرائيل” لعب دور “المردوع” أمام حزب الله. في الخطاب السياسي، وفي التسريبات العسكرية، وحتى في الأداء الميداني، بدا وكأن “تل أبيب” تتجنب المواجهة، وتخشاها، وتفضّل احتواءها. هذه الصورة لم تكن عفوية، بل صُنعت بعناية، وتسللت إلى الأدبيات والتحليلات حتى باتت شبه مسلّمة، حتى لدى خصومها قبل حلفائها.

هذا المناخ، إلى جانب عوامل أخرى، ربما أسهم في خلق حالة من الاسترخاء النسبي لدى حزب الله. وهنا تحديدًا نجحت الخديعة “الإسرائيلية” في مرحلتها الأولى. إذ استغلت “تل أبيب” هذا التراخي لتوجيه ضربات نوعية، كان أبرزها استهداف البنية الجهادية للحزب واغتيال قيادات مركزية، وفي مقدمتهم الأمين العام السيد حسن نصر الله.

في تلك اللحظة، بدا وكأن “إسرائيل” نجحت في إعادة رسم قواعد الاشتباك، بل إنها جاهرت بأنها حققت إنجازًا اعتقدت من خلاله أنه كفيل بكسر خصمها على المدى الطويل.

لكن المشكلة في الخديعة أنها حين يُساق بها أكثر من اللازم، تُغري صاحبها بتصديقها، وتدفعه إلى البناء عليها كحقيقة لا تقبل الشك. هنا بدأ الانقلاب.

مع تصاعد الحرب، انتقلت “إسرائيل” من موقع “المخادع” إلى موقع “المخدوع”. فقد أسرفت في قراءة نتائجها الأولى، ووقعت في وهم أن حزب الله قد انكسر أو على الأقل فقد توازنه. تكررت في الخطاب “الإسرائيلي” عبارات من نوع “انهيار الحزب” و”نهاية قدرته العسكرية”، حتى وصل الأمر إلى حد طمأنة المستوطنين بأن الخطر زال، والحديث الجدي عن نزع سلاح المقاومة، وكأن المسألة أصبحت مسألة وقت لا أكثر.

لكن ما كان يجري في الضفة الأخرى كان مختلفًا تمامًا.

حزب الله، الذي تلقى الضربة، لم يسقط ولم ينهَر. بل فعل ما تفعله القوى الحيّة: استوعب الصدمة، أعاد ترتيب صفوفه، واشتغل بصمت على إعادة البناء. لا فقط على مستوى العتاد، بل على مستوى الهيكل التنظيمي، وأساليب القيادة، وأنماط الانتشار. الأهم أن هذا البناء الجديد كان، إلى حد كبير، غير مكشوف، لا فقط أمام “إسرائيل”، بل حتى داخل كثير من دوائر الحزب نفسه، ما أضاف عنصر المفاجأة كعامل حاسم في المرحلة اللاحقة.

وعندما قررت “إسرائيل” توسيع الحرب والدخول إلى لبنان بريًا، كانت تتصرف على أساس ما تختزنه من أوهام: حزب مُنهك، قيادة مضروبة، وبنية مفككة. التقدير كان أن تجاوز الليطاني مسألة ساعات أو أيام، وأن الطريق إلى صيدا مفتوح، وأن العملية ستكون خاطفة تعيد تثبيت الردع “الإسرائيلي” في المنطقة. ما حدث كان صدمة معاكسة بكل المقاييس.

خلال نحو 45 يومًا، عجز “الجيش الإسرائيلي” عن تحقيق إنجازات تُذكر. بل على العكس، وجد نفسه أمام مقاومة منظمة، تمتلك زمام المبادرة، وتفرض إيقاع المواجهة. الدبابات الإسرائيلية التي تقدمت، تعرّض عدد كبير منها للتدمير أو التعطيل، في مشهد أعاد إلى الأذهان أسوأ كوابيس الحروب البرية، وأعاد طرح أسئلة جدية داخل المؤسسة العسكرية حول الجاهزية والتقدير.

أما الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”، التي قيل إنها أصبحت آمنة، فتحولت إلى مساحة مكشوفة. مئات الصواريخ التي أطلقها حزب الله جعلت من العمق “الإسرائيلي” ساحة ضغط يومي، وفرضت معادلة ردع معكوسة: لم يعد السؤال “هل تضرب المقاومة؟” بل “متى وأين وكيف؟”. وهنا تحديدًا تآكل الشعور بالأمان الذي حاولت “إسرائيل” ترسيخه لدى جمهورها.

في تلك اللحظة، اكتمل مشهد الانقلاب. “إسرائيل” التي راهنت على الخديعة لتفكيك خصمها، وجدت نفسها أسيرة الخديعة ذاتها. صدّقت روايتها الخاصة، وبنت عليها قرارات استراتيجية كبرى، فإذا بها تصطدم بواقع مغاير تمامًا، أكثر تعقيدًا وخطورة مما توقعت.

الدروس هنا تتجاوز الميدان. فالحرب ليست فقط توازن قوى، بل هي أيضًا توازن إدراك. ومن يخطئ في قراءة خصمه، حتى لو امتلك تفوقًا عسكريًا، قد يجد نفسه يقاتل شبحًا في ذهنه، لا عدوًا في الميدان.

هكذا، ارتدت الخديعة. لا كحادثة عابرة، بل كقاعدة: من يصنع الوهم ويسكن فيه طويلًا، يدفع الثمن مضاعفًا عندما ينهار، لأن السقوط من الوهم أقسى من مواجهة الحقيقة منذ البداية.