نسبية المقاييس الزمنية في القرآن الكريم والفيزياء الحديثة
اكتشاف قرآني جديد: سرعةُُ عروج ِ ٱلۡمَلَٰٓائِكَةِ وَٱلرُّوحِ إِلَيۡهِ تساوي سرعةَ الضوء
دراسة قرآنية–علمية وحدود المقارنة مع تمدد الزمن في النسبية الخاصة
(للباحث البروفسور تيسير عبَّاس حميَّة)
(جامعة مايسريخت: هولندا)
الملخص
يتناول هذا البحث بالدراسة والتحليل إحدى الآيات القرآنية ذات الدلالة الزمنية العميقة، وهي قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]. وتنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن القرآن الكريم يعرض في عدد من المواضع مقاييس زمنية لا تتطابق بالضرورة مع المقياس الزمني الأرضي المألوف للإنسان، الأمر الذي يثير سؤالًا معرفيًا مهمًا حول طبيعة الزمن ومفهوم «المقدار الزمني» في الخطاب القرآني.
ويهدف البحث إلى دراسة هذه المسألة من منظور تكاملي يجمع بين التحليل القرآني والمفهوم الفيزيائي الحديث للزمن، مع التركيز على نظرية النسبية الخاصة التي ألغت التصور النيوتوني للزمن المطلق وأثبتت أن الزمن المقاس يعتمد على الإطار المرجعي والحالة الحركية للراصد. ويُعرض اشتقاق معادلة تمدد الزمن انطلاقًا من ثبات الفاصل الزمكاني، مع تعريف دقيق للزمن الخاص والزمن الإحداثي وعامل لورنتز.
وتناقش الدراسة بعد ذلك إمكان تطبيق هذه الصياغة الرياضية على النسبة العددية بين «يوم» و«خمسين ألف سنة». ويبيّن التحليل أن إدخال هذه النسبة افتراضيًا في معادلة لورنتز يؤدي رياضيًا إلى سرعة شديدة القرب من سرعة الضوء. غير أن البحث يميز بوضوح بين النتيجة الرياضية المشروطة وبين الإثبات الفيزيائي؛ فالآية لا تعرّف اليوم المذكور بوصفه زمنًا خاصًا في إطار لورنتزي، ولا تصف خمسين ألف سنة بوصفها زمنًا إحداثيًا لراصد أرضي، كما أن عالم الملائكة والروح ينتمي إلى الغيب ولا يخضع، بحسب ما هو متاح للعلم التجريبي، للقياس الفيزيائي المباشر.
وبناءً عليه، تقترح الدراسة أن القيمة العلمية والفكرية الأعمق للآية لا تكمن في استخراج سرعة فيزيائية محددة للملائكة، وإنما في إبراز أن المقياس الزمني في الخطاب القرآني ليس محصورًا بالضرورة في الزمن الأرضي المألوف للإنسان، وهي فكرة تتيح حوارًا معرفيًا لافتًا مع التصور الحديث للزمن، علماً أن النص القرآني لم تنقضِ عجائبه وللم تنتهِ معجزاته العابرة للزمان والمكان والإنسان على حد سواء منذ نزوله على النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حتى اليوم ولن ينقضي إعجازه حتى قيام الساعة.
كلمات مفاتيح:
القرآن الكريم؛ الزمن؛ سورة المعارج؛ العروج؛ الملائكة والروح؛ النسبية الخاصة؛ تمدد الزمن؛ عامل لورنتز؛ الزمن الخاص؛ الزمن الإحداثي؛ الإعجاز العلمي؛ فلسفة العلم.
1. المقدمة
احتل العلم والمعرفة والتفكر في الكون مكانة مركزية في القرآن الكريم. فلم يكن الخطاب القرآني خطابًا منفصلًا عن النظر في الطبيعة، بل تكرر فيه الأمر بالنظر والتفكر والتدبر والتعقل. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. وقال سبحانه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
ويكتسب الربط بين العلم والتفكر في الطبيعة دلالة خاصة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190–191].
ومن الموضوعات التي تجمع بصورة استثنائية بين التأمل القرآني والتساؤل العلمي موضوع الزمن. فالزمن من أكثر المفاهيم عمقًا في الفيزياء والفلسفة، كما أنه حاضر في القرآن الكريم ضمن سياقات متعددة تتعلق بالخلق والتدبير والعروج واليوم الآخر. ومن أبرز النصوص في هذا المجال قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4].
تضع هذه الآية أمام الباحث تعبيرًا زمنيًا لافتًا: يوم يقابله مقدار خمسين ألف سنة. ولا ينبغي المرور على هذا التعبير مرورًا حسابيًا فقط؛ فكلمة «مقداره» نفسها تفتح بابًا للتأمل في اختلاف المقاييس التي يمكن أن يوصف بها الزمن.
والسؤال المركزي لهذه الدراسة هو: هل يمكن إقامة مقارنة علمية منضبطة بين تعدد المقاييس الزمنية الذي يظهر في النص القرآني وبين عدم مطلقية الزمن في الفيزياء الحديثة؟ ويتفرع من هذا السؤال سؤال أكثر تحديدًا: إذا افترضنا، لأغراض التحليل الرياضي فقط، أن اليوم المذكور في الآية يمثل زمنًا خاصًا وأن خمسين ألف سنة تمثل زمنًا إحداثيًا، فما السرعة التي تعطيها معادلة تمدد الزمن في النسبية الخاصة؟ وتعتبر هذه النتيجة الجديدة بهذا الربط الجديد برهانًا على سرعة عروج الملائكة والروح.
2. الزمن في التصور الفيزيائي: من نيوتن إلى أينشتاين
في الميكانيكا الكلاسيكية النيوتونية كان الزمن يُعامل بوصفه كمية مطلقة تجري بصورة واحدة لجميع الراصدين. فإذا حدثت ظاهرتان يفصل بينهما زمن معين، فإن هذا الفاصل الزمني يُفترض أنه نفسه بالنسبة إلى جميع المراقبين، بصرف النظر عن حركتهم.
غير أن النسبية الخاصة غيّرت هذا التصور جذريًا. فالزمن والمكان لم يعودا كيانين مستقلين مطلقين، وإنما أصبحا مرتبطين ضمن بنية رباعية الأبعاد هي الزمكان. ومن النتائج الأساسية لذلك أن راصدين في حالتين حركيتين مختلفتين قد لا يقيسان الفاصل الزمني نفسه بين أحداث مرتبطة بحركة جسم ما. وهنا يظهر مفهوم تمدد الزمن.
3. الزمن الخاص والزمن الإحداثي
لفهم المسألة بدقة، لا بد من التمييز بين زمنين مختلفين. لنعتبر إطارًا عطاليًا R ، ونسميه إطار الراصد الخارجي، وإطارًا ثانيًا R’ يتحرك بالنسبة إلى R بسرعة ثابتة v. توجد ساعة ساكنة في R’.
نعرّف Δt بأنه الزمن الإحداثي، أي الفاصل الزمني الذي يقيسه الراصد الموجود في الإطار S، حيث يرى الساعة تتحرك بسرعة v. ونعرّف Δτ بأنه الزمن الخاص، أي الزمن الذي تقيسه الساعة نفسها الموجودة في إطارها الساكن S′. وهذا التمييز أساسي، لأن تمدد الزمن لا يعني مجرد وجود «زمن طويل» و«زمن قصير»، بل يتطلب تعريفًا فيزيائيًا دقيقًا للإطار الذي يقيس كل زمن.
4. البرهان النظري لتمدد الزمن
في النسبية الخاصة يكون الفاصل الزمكاني بين حدثين ثابتاً لجميع الأطر العطالية. وبالنسبة إلى ساعة متحركة يمكن كتابة:
c²Δτ² = c²Δt² – Δx²
في هذه المعادلة يمثل Δτ الزمن الخاص للساعة، بينما يمثل Δt الزمن الإحداثي الذي يقيسه الراصد الخارجي في R.
بما أن الساعة تتحرك بسرعة ثابتة v بالنسبة للمعلم R ، فإن المسافة التي تقطعها خلال الزمن Δt هي: Δx = vΔt بالتعويض نحصل على: c²Δτ² = c²Δt² – v²Δt²
وبأخذ الجذر التربيعي الموجب:
Δτ = Δt√((1 – v²/c²))
وباستخدام عامل لورانتز نحصل على الصيغة الأساسية لتمدد الزمن الحركي في النسبية الخاصة:
Δt = γΔτ =Δτ/√((1 -v^2/c^2 ) )
عندما تكون السرعة غير معدومة وأصغر من سرعة الضوء يكون:
0 < √((1 – v²/c²)) < 1
ومن ثم: Δτ < Δt، أي أن الزمن الخاص Δτ الذي تقيسه الساعة المتحركة أصغر من الزمن الإحداثي Δt الذي يقيسه الراصد في الإطار R بين الحدثين نفسيهما. وهذه هي ظاهرة تمدد الزمن في النسبية الخاصة.
5. الآية القرآنية وإشكالية المقياس الزمني
قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]. من الناحية النصية، توجد في الآية ثلاثة عناصر رئيسة: العروج، واليوم، ومقدار خمسين ألف سنة.
ويتميز التعبير القرآني باستخدام كلمة «مقداره»، لا بمجرد القول إن اليوم «هو» خمسون ألف سنة. وهذا الفرق اللغوي يستحق الدراسة التفسيرية المستقلة ولا ينبغي تجاوزه بالمعادلة الفيزيائية مباشرة.
والشيء نفسه يمكن أن يقال فيما ورد في القرآن الكريم: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5].
إن وجود تعبيرات قرآنية مختلفة عن «اليوم» و«المقدار» يدعو إلى التأمل والتفكر في هذه النصوص ومقاربتها مع المعادلات الفيزيائية والرياضية من النوع نفسه. والأقرب منهجياً وعلمياً هو القول إن القرآن يلفت النظر إلى أن المقياس الزمني في بعض مستويات الوجود والتدبير لا يلزم أن يطابق المقياس الزمني الذي «يعدّه» الإنسان.
6. اختبار رياضي افتراضي للنسبة الزمنية
يمكن الآن طرح فرضية رياضية، مع التأكيد أنها فرضية للمقارنة وليست تفسيرًا قطعيًا للآية. لنفترض أن اليوم المذكور يمثل زمنًا خاصًا، وأن خمسين ألف سنة تمثل زمنًا إحداثيًا. وباستخدام السنة اليوليانية، يمكن تحويل النسبة إلى عامل لورنتز كبير جدًا.
مقدار زمن عروج ٱلۡمَلَٰٓائِكَةِ وَٱلرُّوح (بالسنة): Δτ=1/354.25
مقدار زمن عروج ٱلۡمَلَٰٓائِكَةِ وَٱلرُّوح (بالسنة): Δt=50000
فإذا طبقنا معادلة لورانتز: Δτ = Δt√((1 – v²/c²))
نحصل على ما يلي:
1/354.25 = 500000√((1 – v²/c²))
أو
(1 -v^2/c^2 )=(1/(354.25×50000))^2
وهذا يؤدي إلى:
v^2/c^2 =1-(1/(354.25×50000))^2=(〖354.25〗^2×2.5×10^9-1)/(〖354.25〗^2×2.5×10^9 )
يعني:
v=c √(〖354.25〗^2×2.5×10^9-1)/(354.25×50000)
والنتيجة تكون كالتالي:
v=0.99999999999999800×c
v/c=.99999999999999800
باستخدام سرعة الضوء: c=299792.458 km/s
وهذا يؤدي إلى النتيجة المرجوة
v=299792.45799999900 km/s
على أن النتيجة التالية: v/c=.99999999999999800 تقود إلى سرعة لا «تساوي» سرعة الضوء مئة بالمئة، بل تقترب منها اقترابًا شديدًا.
7. ماذا تثبت هذه النتيجة وماذا لا تثبت؟
هذه النقطة هي جوهر الدراسة. الحساب السابق صحيح رياضيًا بشرط صحة الفرضيات التي أُدخلت إليه. فإذا كان لدينا جسم مادي يتحرك في فضاء مينكوفسكي، وإذا كان يوم واحد هو زمنه الخاص، وإذا كانت خمسون ألف سنة هي الزمن الإحداثي المقابل في إطار عطالي آخر، فإن النسبية الخاصة تفرض سرعة قريبة للغاية من سرعة الضوء.
ولكن الآية نفسها لا تنص على أن يوماً واحداً (Δτ = 1 day) بالمعنى التقني للزمن الخاص في النسبية، ولا تنص على أن 50000 سنة (Δt = 50,000 years) هو الزمن الإحداثي الذي تقيسه ساعة أرضية في إطار لورنتزي. ولكن إذا افترضنا هذه المطابقة، نحصل رياضيًا على سرعة قريبة من الضوء، مما يعني في هذه الآية الكريمة أن الملائكة تعرج بسرعة الضوء». وهذه النتيجة هي نتيجة رياضية مشروطة بمعادلة لورانتز، علماً أن المسألة الفيزيائية تحتاج إلى مقدمات لم تتوفر في الآية القرآنية أعلاه إلا أن رب الأرباب خالق القوانين كلها لا يحتاج بذلك إلى دليل لأن القوانين في كل معادلاتها ومضامينها تخضع خضوعاً مطلقاً لله الواحد القهَّار وللقوانين التي نظَّمها.
8. الملائكة والروح وحدود العلم التجريبي
على أن الملائكة والروح ينتمون، في العقيدة الإسلامية، إلى عالم الغيب. والعلم الفيزيائي التجريبي يدرس ظواهر قابلة للملاحظة أو القياس أو الاختبار المباشر أو غير المباشر. أما إسناد كتلة أو سرعة أو طاقة أو إطار مرجعي إلى كائن غيبي فيحتاج إلى دليل مستقل لا توفره النظرية النسبية نفسها.
لذلك لا يصح علميًا افتراض أن قوانين حركة الأجسام المادية المعروفة يجب أن تطبق بالكيفية نفسها على الملائكة والروح. علماً أن تطبيق قانون لورانتز على الآية القرآنية الشريفة يؤدي إلى النتيجة الرياضية الرائعة بأن صعود الملائكة والروح يتم بسرعة الضوء.
9. أين تكمن الأصالة العلمية والفكرية؟
يمكن أن تكون النتيجة الأعمق لهذا البحث أكثر أهمية من محاولة استخراج سرعة محددة. لقد اعتاد الإدراك البشري المباشر أن يتعامل مع الزمن باعتباره مقدارًا موحدًا؛ الثانية هي الثانية، واليوم هو اليوم، والسنة هي السنة. لكن الفيزياء الحديثة أظهرت أن الزمن الفيزيائي ليس مطلقًا.
وفي سياق مختلف تمامًا، يقدم القرآن الكريم تعبيرات زمنية لا يمكن اختزالها ببساطة إلى المقياس الأرضي المعتاد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]، و﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5].
القاسم المشترك هنا ليس بالضرورة معادلة لورانتز، بل مفهوم أعمق: المقياس الزمني ليس بالضرورة واحداً في جميع السياقات. وهذه، في رأينا، هي نقطة الحوار الأكثر خصوبة بين النص القرآني والفكر الفيزيائي الحديث لأن القرآن الكريم يؤكد في عدة آيات على نسبية الزمن دون أن يدخل في تفاصيل حساب سرعة المتحركات الروحية والملائكية وغيرها أو ممن عندهم علم الكتاب كما جاء في سورة النمل:
قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ (النمل، آية 40) وهذا يعني أن المسافة التي قطعها الذي عنده علم من الكتاب ذهاباً وإياباً والبالغة تقريباً حوالي 4200 كلم قد قطعت بوقت لا يتجاوز طرفة عين يعني لنقل ثانية وهذا يعني أن سرعة الذي عنده علم من الكتاب تبلغ في حدها الأدنى 4200 كلم بالثانية وتمثل على الأقل 1.4 بالمئة من سرعة الضوء.
كل ذلك يشير إلى نسبية الزمن وأن الزمن الأرضي قد يتمدد كثيراً أو قليلاً حسب سرعة المتحرك المرصودة حركته.
10. بين الإعجاز العلمي والحوار العلمي مع القرآن
على أن النص القرآني لا يمثل بالضرورة معادلة فيزيائية أو رياضية أو كيميائية أو ميكانيكية أو غير ذلك من الإختصاصات العلمية، ولكنه بكل تأكيد يعطي مؤشرات وإشارات إرهاصية إعجازية لإثبات عظمة الخالق التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.
ومن المؤكد أن القرآن الكريم ليس كتابًا دراسيًا في النسبية مثلاً، ولم ينزل ليقدم تحويلات لورنتز. ولكنه يحتوي في الوقت نفسه على تصورات عميقة عن الكون والخلق والزمن والمكان والإنسان، يمكن أن تثير أسئلة معرفية لا يمكن اكتشاف عظمتها إلا بعد تأكيد الإكتشافات العلمية لتلك الحقائق وقوانينها.
ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: المستوى النصي: ماذا تقول الآية بالفعل؟ المستوى العلمي: ماذا تقول النظرية الفيزيائية بالفعل؟ مستوى المقارنة: هل توجد بنية مفهومية مشتركة تسمح بحوار علمي منضبط تصبح المقارنة فيه أكثر قوة وأقل عرضة للتكلف.
11. دلالة عبارة «مما تعدون»
تزداد المسألة أهمية عند جمع آية المعارج مع قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ آية 5. فالعبارة ﴿مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ تستحق اهتمامًا خاصًا؛ لأنها تربط المقدار الزمني صراحةً بعملية العد البشري.
على أن ذلك يدل بنا لا يقبل الشك أن النص القرآني يميز هنا بين المقياس الذي يستخدمه الإنسان في عد الزمن وبين مقاييس أخرى يصف بها أحداثًا تتجاوز تجربته المباشرة. على أن النتيجة تعود مرة أخرى على أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض والعروج إليه يتم بسرعة قريبة جداً من سرعة الضوء حسب القيمة التالية:
v/c=0.999999999996016
يعني أن سرعة الأمر تكون كما يلي:
v=299792.457998806 km/s
12. الزمن بين القياس والوجود
تكشف هذه الدراسة عن تمييز فلسفي مهم بين الزمن بوصفه كمية مقاسة وبين الزمن بوصفه جزءًا من بنية الوجود. في الفيزياء، الساعة لا تقيس «زمنًا كونيًا مطلقًا»، وإنما تقيس الزمن الخاص المرتبط بمسارها في الزمكان.
dτ = dt√((1 – v²/c²))
وإذا تغيرت السرعة مع الزمن، فإن الزمن الخاص المتراكم بين الزمنين t₁ و t₂ يكتب:
τ = ∫[t₁→t₂] √((1 – v(t)²/c²)) dt
وفي النسبية العامة يصبح الزمن مرتبطاً أيضاً بالبنية الهندسية للمجال الثقالي. وهكذا فإن السؤال «كم مر من الزمن؟» لا يكتمل في الفيزياء الحديثة إلا بعد تحديد الراصد والمسار والحالة الحركية والبنية الزمكانية. وهذا التحول يجعل النصوص القرآنية المتعلقة باختلاف المقادير الزمنية مجالًا خصبًا للتأمل المعرفي، ويثبت بشكل رائع الإعجاز القرآني
13. قيمة النتيجة العددية
لا ينبغي إهمال النتيجة الرياضية المستخرجة في هذه الدراسة. فنسبة يوم إلى خمسين ألف سنة أو يوم إلى ألف سنة مما يعد البشر إذا عوملت كنسبة بين زمن خاص وزمن إحداثي، تعطي سرعة قريبة جداً من سرعة الضوء:
v → c
وهذه النتيجة مثيرة للاهتمام من الناحية الرياضية والفيزيائية؛ إذ تبين أن الفرق الهائل بين المقياسين الزمنيين المذكورين يمكن، في نموذج لورنتزي، أن يقابل حركة نسبية فائقة السرعة وقريبة جدًا من سرعة الضوء ويؤكد على الإعجاز القرأني الذي تكلم عن هذا الأمر منذ أكثر من 1440 سنة.
14. إطار منهجي مقترح للدراسات القرآنية–العلمية
تقترح هذه الدراسة أربعة شروط لأي محاولة مستقبلية لربط النصوص القرآنية بالنظريات العلمية. أولًا، يجب أن يكون معنى النص محتملًا لغويًا وتفسيريًا، وألا تُفرض عليه المصطلحات العلمية الحديثة فرضاً. ثانياً، يجب عرض النظرية العلمية بدقة كاملة، بما في ذلك شروط صلاحيتها وحدودها. ثالثاً، يجب التمييز بين التشابه والمطابقة؛ فقد تتشابه فكرتان من حيث البنية العامة من دون أن تكون إحداهما وصفًا رياضياً للأخرى. رابعاً، ينبغي أن تبقى النتيجة قابلة للمراجعة إذا تغيرت النظرية العلمية، بينما لا يُربط معنى القرآن ربطاً نهائياً بنموذج فيزيائي قابل للتطور.
هذا المنهج لا يضعف البحث في الإعجاز أو في العلاقة بين القرآن والعلم، وإنما يمنحه حصانة أكبر أمام النقد العلمي والتفسيري.
15. النتائج والمناقشة
توصلت الدراسة إلى أن آية المعارج تقدم صياغة زمنية استثنائية تربط «يومًا» بـ«مقدار خمسين ألف سنة»، وأن هذا التعبير يبرر بحث مفهوم اختلاف المقاييس الزمنية في الخطاب القرآني.
كما تبين أن النسبية الخاصة تقدم إطاراً رياضياً واضحاً لاختلاف الزمن المقاس بين الأطر المرجعية، وأن المطابقة الافتراضية بين اليوم والزمن الخاص، وبين خمسين ألف سنة والزمن الإحداثي، تعطي عامل لورنتز كبيرًا جدًا، وبالتالي سرعة شديدة القرب من سرعة الضوء.
إلا أن النتيجة الأكثر رسوخاً هي وجود إمكان حقيقي لحوار معرفي بين التصور القرآني لتعدد المقادير الزمنية والتصور الفيزيائي الحديث لعدم مطلقية الزمن، مع بقاء كل مجال ضمن حدوده المنهجية.
Δt = γΔτ
γ = 18,262,500
أما المسافة التي تقطعها الملائكة والروح في يوم واحد فإنها تقدَّر بما يلي:
25902068371.200 كلم
أي ما يقارب 2.6 مليار كلم في مسير يوم واحد.
16. الخاتمة
يقدم القرآن المقدَّس الآيتين التاليتين:
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾
كآيتين من أكثر الصياغات القرآنية إثارة للتأمل في طبيعة الزمن ومقاييسه.
وقد أظهر هذا البحث أن إدخال النسبة العددية بين يوم واحد وخمسين ألف سنة أو بين يوم واحد وألف سنة في معادلة تمدد الزمن في النسبية الخاصة، على أساس فرضية محددة تربط الأول بالزمن الخاص والثاني بالزمن الإحداثي، يؤدي رياضيًا إلى سرعة تقترب اقترابًا بالغًا من سرعة الضوء.
وقد تكون هنا تحديدًا القيمة الأعمق للاكتشاف المقترح في هذه الدراسة. فالنتيجة ليست أن القرآن يقدم قبل أربعة عشر قرنًا صيغة مخفية لمعادلة لورنتز، بل أن النص القرآني لم يحصر مفهوم الزمن في المقياس الأرضي البشري البسيط، وأنه استخدم تعبيرات عن «اليوم» و«المقدار» تفتح بابًا واسعًا للتفكر في طبيعة الزمن واختلاف مقاييسه.
وبعد قرون طويلة، جاءت الفيزياء الحديثة لتبرهن، في مجالها التجريبي والرياضي الخاص، أن الزمن ليس الكمية المطلقة التي تصورها الإنسان في الفيزياء الكلاسيكية. إن وضع هاتين الحقيقتين جنبًا إلى جنب، من دون خلط بين الوحي والنظرية الفيزيائية، يفتح مجالًا علميًا وفلسفيًا جديرًا بالبحث: دراسة مفهوم الزمن في القرآن الكريم في ضوء تطور مفهوم الزمن في المعرفة الإنسانية.
وهكذا يصبح الحوار بين القرآن والعلم حواراً لا يقوم على البحث المتعجل عن تطابقات عددية، بل على التأمل المنهجي العميق في الكون والزمن والوجود؛ وهو أقرب إلى روح الدعوة القرآنية الخالدة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.