رعد: لا استراتيجية دفاعية بلا سيادة ولا بحث في السلاح قبل الانسحاب

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع التطورات العسكرية على الحدود الجنوبية، يقدّم رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد قراءة شاملة لموقف حزب الله من المرحلة المقبلة، واضعاً مجموعة من العناوين التي تبدو بمثابة خريطة طريق للتعامل مع ملفات السلاح، والاستراتيجية الدفاعية، وعلاقة المقاومة بالدولة، ومستقبل الجنوب.

في حديثه إلى «المدن»، يقرّ رعد بوجود «خلل جزئي تكتيكي» خلال مسار المواجهة منذ 8 تشرين الأول 2023، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الحزب أجرى مراجعة عميقة لقراراته وأدائه وإمكاناته، من دون أن تقوده هذه المراجعة إلى التراجع عن قرار إسناد غزة. بل يقول إن الحزب ازداد قناعة بصوابية هذا القرار، معتبراً أن ما جرى أنتج، وفق قراءته، نتائج سياسية وإنسانية وإقليمية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

لكن الأهم في كلام رعد لا يكمن فقط في توصيف الماضي، بل في ما يرسمه للمستقبل.

مراجعة داخلية.. من دون تغيير في الاتجاه

يقول رعد إن المراجعة داخل حزب الله لم تكن شكلية، بل شملت نقاط القوة والخلل والقصور، إضافة إلى دراسة إمكانات الحزب والعدو. وهذه النقطة تحمل دلالة سياسية، إذ إن الحزب، بحسب رعد، لا ينكر وجود ثغرات أو أخطاء تكتيكية، لكنه يفصل بين مراجعة الأداء وبين مراجعة الخيار الاستراتيجي نفسه.

بمعنى آخر، فإن الاعتراف بوجود خلل في بعض جوانب الأداء لا يعني، وفق هذه المقاربة، إعادة النظر في أصل قرار المواجهة أو في خيار المقاومة.

وهنا يبرز التحدي الأساسي أمام الحزب: كيف يمكن تحويل نتائج المراجعة إلى تطوير في الأداء والقدرات وآليات الردع، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعديل في الثوابت التي يعتبرها جزءاً من هويته السياسية والعسكرية؟

رعد يجيب بوضوح: الأدوات تتغير، وآليات الردع تتطور، أما إرادة امتلاك القدرة على الردع فتبقى قائمة.

الاستراتيجية الدفاعية تبدأ من الدولة

في ملف الاستراتيجية الدفاعية، يقدّم رعد عبارة تختصر الكثير من موقف الحزب: «التفاهم الوطني على استراتيجية شاملة للأمن والدفاع الوطني مسألة مهمة للبلاد، ومن مقدمات ذلك وجود سلطة ذات سيادة وعلى قدر المسؤولية».

وهذه المعادلة تضع النقاش في إطار مختلف. فبدلاً من أن يبدأ البحث من سؤال السلاح وحده، يربط حزب الله، عبر كلام رعد، ملف السلاح بمسألة السيادة، وبطبيعة السلطة اللبنانية وقدرتها على حماية البلاد.

ومن هنا، لا يبدو الحزب، وفق هذا الطرح، رافضاً مبدئياً لفكرة استراتيجية دفاعية وطنية، لكنه يربط الوصول إليها بتوافر ظروف سياسية وأمنية يعتبرها ضرورية.

أما حصرية السلاح، فيضع رعد لها مساراً واضحاً: انسحاب إسرائيل، وقف الاعتداءات، انتشار الجيش جنوب الليطاني، ثم الانتقال إلى بحث دور المقاومة والسلاح ضمن استراتيجية دفاع وطني شاملة يتم التوافق عليها داخلياً.

وهذا يعني أن الحزب لا يتعامل مع ملف السلاح باعتباره بنداً منفصلاً عن الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، بل كجزء من معادلة أوسع تتصل بمستقبل الأمن الوطني.

الدولة والمقاومة.. خلاف على الأولويات

في مقاربة رعد، لا يقتصر الخلاف مع السلطة على مسألة السلاح، بل يتصل بكيفية إدارة الدولة للمرحلة الحدودية والتفاوض مع إسرائيل.

فهو ينتقد موقف السلطة في 2 آذار، معتبراً أنها تعاملت مع رد المقاومة على الخروقات الإسرائيلية باعتباره بداية للحرب، بينما يرى الحزب أن الحرب كانت مستمرة أصلاً بفعل الاعتداءات والخروقات.

وفي المقابل، يحدد رعد ما يريده حزب الله من رئيس الجمهورية: الحكم وفق الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، والحفاظ على الوحدة الوطنية في العلاقات الداخلية والخارجية.

وهنا يظهر جوهر التباين: هل تكون أولوية المرحلة تثبيت حصرية قرار الدولة، أم أن الأولوية هي معالجة الاحتلال والاعتداءات أولاً، ثم الانتقال إلى نقاش الاستراتيجية الدفاعية؟

الحزب، كما يظهر من كلام رعد، يدفع باتجاه الترتيب الثاني.

علي الطاهر.. معركة عسكرية ورسالة سياسية

في ملف «علي الطاهر»، يتمسك رعد بسياسة الغموض التي اعتمدها الحزب، رافضاً تقديم رواية تفصيلية لما جرى.

ويرى أن المقاومة خاضت مواجهة طويلة في الموقع تحت القصف والحصار، وأن الكشف عن تفاصيل المعركة أو آلياتها ليس مصلحة للحزب في هذه المرحلة.

وتكتسب تلة علي الطاهر أهمية عسكرية بسبب موقعها المرتفع شمال الليطاني وإشرافها على مساحة واسعة من المنطقة، وقد عادت إلى الواجهة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان خلال عام 2026.

وبالنسبة إلى رعد، فإن الغموض هنا ليس غياباً للرواية بقدر ما هو جزء من الرواية نفسها؛ أي أن عدم الكشف عن التفاصيل يبقى، في نظر الحزب، جزءاً من إدارة المعركة.

«وحدة الساحات».. المفهوم لم يسقط

وفي ما يتعلق بمفهوم «وحدة الساحات»، يقدّم رعد تعريفاً مختلفاً عن القراءة التي تعتبر أن التطورات الإقليمية أضعفت هذا المفهوم.

فهو يشرح أن المقصود هو وحدة تشخيص العدو وطبيعة المواجهة، مع ترك لكل ساحة تقدير ظروفها وقدرتها على المشاركة.

وبذلك، لا يشترط مفهوم «وحدة الساحات»، وفق هذا التعريف، تطابقاً كاملاً في توقيت التحركات أو مستوى الانخراط، بل يقوم على وحدة الرؤية مع اختلاف الحسابات الميدانية لكل ساحة.

بين طهران وبيروت.. كيف يعرّف الحزب موقعه؟

في العلاقة مع إيران، يحاول رعد تثبيت معادلة مفادها أن حزب الله يرى نفسه «مقاومة وطنية إسلامية»، وأن الدعم الخارجي الذي يتلقاه لا يلغي، وفق موقفه، أولويته اللبنانية.

وفي المقابل، يرفض رعد مقاربة الحزب باعتباره مجرد أداة في محور إقليمي، مؤكداً أن الحزب سيبقى، بحسب تعبيره، «لبنانياً شريفاً ومقاوماً وسيادياً».

كما يؤكد أن العلاقة مع حركة أمل والرئيس نبيه بري متماسكة، رافضاً الحديث عن وجود تباينات يمكن أن تهدد الثنائية السياسية بين الطرفين.

إعادة الإعمار.. الاختبار الداخلي الأصعب

يبقى ملف إعادة إعمار الجنوب أحد أبرز الاختبارات المقبلة، خصوصاً في ظل حجم الدمار والنزوح والاحتياجات الاقتصادية.

رعد يحمّل الدولة مسؤولياتها في هذا المجال، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الانقسام الداخلي يمكن أن يشكل عائقاً أمام استقطاب الدعم الخارجي.

وهنا يتقاطع الملف الاقتصادي مع السياسي: فإعادة الإعمار لا تنفصل، بالنسبة إلى الحزب، عن مستقبل الجنوب، ولا عن طبيعة التفاهم الداخلي حول السلاح والسيادة والدولة.

الرسالة الأبرز: لا فصل بين السلاح والسيادة

من مجمل مواقف رعد، تبدو المعادلة التي يطرحها حزب الله واضحة: لا يريد الحزب أن يبدأ النقاش من نقطة «تسليم السلاح»، بل من صيغة متكاملة تشمل الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، ودور الجيش، والاستراتيجية الدفاعية، وطبيعة السلطة السيادية.

وهذا لا يعني إغلاق باب البحث في حصرية السلاح، بل ربطه، بحسب كلام رعد، بشروط سياسية وميدانية محددة.

وبذلك ينتقل النقاش من سؤال «هل يسلّم حزب الله سلاحه؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما هي الصيغة التي يمكن أن تجمع بين سيادة الدولة، وحماية الحدود، ودور الجيش، ومستقبل المقاومة، في ظل استمرار النزاع حول الجنوب؟

هذه هي العقدة التي ستبقى مفتوحة أمام أي حوار لبناني مقبل، وهي أيضاً النقطة التي يبدو أن حزب الله يريد تثبيتها في أي نقاش حول الاستراتيجية الدفاعية: السلاح ليس بنداً منفصلاً عن السيادة، والاستراتيجية الدفاعية لا تبدأ، من وجهة نظره، قبل قيام سلطة قادرة على ممارسة السيادة وحماية لبنان.