عقوبات أمريكية مرتقبة على إيران.. طهران بين التهدئة والتصعيد

| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي

في اللحظة التي تترقّب فيها المنطقة ما ستعلنه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من عقوبات جديدة على إيران، تبدو طهران أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع الضغوط الأميركية، بل بكيفية إدارة مرحلة كاملة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المسارات الدبلوماسية والاقتصادية.

المشهد الإيراني لا يوحي بوجود قرار واحد يُختصر بعنوان «التصعيد» أو «التهدئة»، بل يكشف عن مقاربة متعددة المستويات، تتوزع فيها الرسائل بين فتح نافذة للتفاوض من جهة، والتلويح بأن أي ضغط إضافي لن يمر من دون رد من جهة أخرى. وبين المسارين، تحاول طهران تثبيت معادلة تقول إن الدبلوماسية ليست تعبيراً عن ضعف، كما أن الردع لا يعني بالضرورة إغلاق أبواب التفاوض.

تأتي هذه المواقف بالتزامن مع ترقب إعلان عقوبات أميركية جديدة، في وقت تدرك فيه واشنطن أن الضغط الاقتصادي على إيران لا يعمل في فراغ، وأن أي خطوة إضافية قد تتحول من أداة ضغط إلى عنصر جديد في معادلة التصعيد الإقليمي.

في هذا السياق، تبدو دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب لافتة في توقيتها ومضمونها. فبزشكيان لم يقدم الدعوة إلى التسوية باعتبارها تراجعاً أو استسلاماً، بل وضعها في إطار مختلف تماماً، عندما أكد أن إيران تمتلك ما يكفي من القوة والكرامة للذهاب إلى تسوية، معتبراً أن العالم يعترف بانتصار بلاده.

هذه اللغة تحمل رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج. داخلياً، تحاول القيادة الإيرانية تقديم أي مسار تفاوضي محتمل باعتباره خياراً نابعاً من الثقة بالقدرة على الصمود، لا نتيجة للضغوط والعقوبات. وخارجياً، تريد طهران القول إن الانتقال من المواجهة إلى التفاوض يجب ألا يُفهم على أنه انتصار أميركي أو إسرائيلي، بل كخيار سياسي يمكن أن تلجأ إليه إيران عندما ترى أن شروطه تخدم مصالحها.

وهنا تكمن أهمية الموقف: إيران لا تبدو في وارد إغلاق الباب أمام التسوية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تدخل إليها من موقع الطرف المنهك أو المحاصر.

أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فيقدم الوجه الآخر للسياسة الإيرانية. فالإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة يعني أن طهران لا تريد أن تتحول العقوبات والتهديدات إلى مسار وحيد يحكم العلاقة مع واشنطن.

لكن اللافت في خطاب عراقجي هو التشديد على ضرورة أن تتحدث الولايات المتحدة مع إيران «باحترام». وهذه العبارة ليست تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل تختصر جوهر الموقف الإيراني: التفاوض ممكن، لكن تحت سقف الندية، ومن دون أن يُطلب من طهران الدخول إلى طاولة المفاوضات وهي تحت ضغط الإملاءات.

وبمعنى آخر، تحاول إيران الفصل بين التفاوض والابتزاز. فهي قد تقبل بالحوار عندما ترى فيه فرصة لتسوية الملفات العالقة، لكنها ترفض أن يتحول الحوار إلى أداة لفرض شروط أميركية مسبقة.

وهنا أيضاً يظهر الرهان الإيراني على عامل الزمن. فطهران تدرك أن العقوبات قد تفرض كلفة اقتصادية، لكنها تدرك في المقابل أن استمرار التصعيد يفرض أثماناً على جميع الأطراف، وأن الولايات المتحدة نفسها ليست بالضرورة راغبة في فتح مسار مواجهة مفتوح لا يمكن التحكم بنتائجه.

في المقابل، جاء موقف محسن رضائي أكثر تشدداً، عندما لوّح برد «زلزالي» إذا أقدم ترمب على خطوات جديدة، محذراً دول الجوار من التعاون مع الضغوط الاقتصادية الأميركية على طهران.

هذا الموقف لا يمكن فصله عن محاولة إيران رسم حدود واضحة أمام واشنطن وحلفائها. فطهران تريد أن تقول إن العقوبات ليست مجرد إجراءات مالية وتقنية، وإن محاولة خنق الاقتصاد الإيراني قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود الملف الاقتصادي.

والأهم أن تحذير دول الجوار يحمل رسالة إقليمية واضحة: إيران تريد منع تحويل البيئة المحيطة بها إلى مساحة تستخدمها واشنطن لتعظيم أثر العقوبات أو ممارسة ضغط إضافي عليها.

وبذلك يصبح التلويح بالتصعيد جزءاً من استراتيجية الردع، لا بالضرورة إعلاناً عن قرار فوري بالذهاب إلى مواجهة شاملة.

قد يبدو للوهلة الأولى أن تصريحات بزشكيان وعراقجي من جهة، ورضائي من جهة أخرى، تعكس انقساماً في الموقف الإيراني. لكن قراءة المشهد من زاوية أوسع قد تقود إلى استنتاج مختلف.

إيران قد تكون ببساطة تدير مسارين متوازيين: مسار سياسي يفتح الباب أمام التسوية، ومسار ردعي يرفع كلفة أي محاولة لفرض التسوية بالقوة.

وهذه المعادلة ليست جديدة في إدارة الأزمات الكبرى. فالدبلوماسية تحتاج إلى أوراق قوة، وأوراق القوة تحتاج بدورها إلى غطاء سياسي يمنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة.

لذلك، فإن اختلاف النبرة بين المسؤولين الإيرانيين قد لا يعني بالضرورة اختلافاً في الهدف النهائي، بل اختلافاً في وظيفة الرسالة. بزشكيان يخاطب الداخل والمجتمع الدولي بلغة التسوية، عراقجي يخاطب واشنطن بلغة التفاوض والندية، فيما يرفع رضائي سقف الردع أمام أي محاولة للضغط أو التصعيد.

السؤال الأهم يبقى: ماذا تستطيع العقوبات الأميركية الجديدة أن تحقق؟

إذا كانت واشنطن تراهن على دفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر عبر الضغط الاقتصادي، فإن التجارب السابقة أظهرت أن العقوبات قد تؤثر في الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تضمن وحدها تغيير الحسابات الاستراتيجية لطهران.

بل إن الإفراط في استخدام العقوبات قد يؤدي أحياناً إلى نتيجة معاكسة، عبر دفع إيران إلى التشدد أكثر، وإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية، وتعزيز علاقاتها مع القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة.

كما أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، لا تلغي حقيقة أن إيران دولة ذات ثقل إقليمي، وأن أي محاولة لخنقها اقتصادياً ستبقى مرتبطة بتداعياتها على أسواق الطاقة، وأمن الملاحة، وحسابات دول الخليج، ومسارات الصراع في المنطقة.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت العقوبات ستؤلم إيران، بل بما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل هذا الألم الاقتصادي إلى مكسب سياسي حقيقي.

المعادلة التي تتشكل اليوم تبدو أكثر تعقيداً من مجرد ثنائية «تهدئة أو تصعيد». إيران تريد على الأرجح إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحل السياسي، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى منع واشنطن من الاعتقاد بأن الضغوط قادرة وحدها على فرض شروطها.

وبينما تستعد إدارة ترمب لفرض مزيد من العقوبات، تحاول طهران إرسال رسالة واضحة: الدبلوماسية ممكنة، لكن من موقع الندية، والتسوية ممكنة، لكن ليس على حساب الكرامة والسيادة، والتهدئة ممكنة، لكن لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها عجزاً عن الرد.

وهنا قد تكون المعركة الحقيقية قد انتقلت من سؤال «من يملك القدرة على التصعيد؟» إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع استخدام القوة والضغط والتهديد للوصول إلى طاولة تفاوض بشروط أفضل؟

فالمنطقة لا تحتاج إلى مواجهة جديدة لا يعرف أحد أين تنتهي، كما أن واشنطن لن يكون من السهل عليها فرض تسوية شاملة عبر العقوبات وحدها. وبين الضغط الأميركي والردع الإيراني، ستبقى الدبلوماسية هي المسار الأقل كلفة، لكن نجاحها سيبقى مشروطاً بإدراك الطرفين أن التفاوض لا يمكن أن يكون امتداداً للحرب، وأن السلام الحقيقي لا يُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق المصالح المتبادلة وحسابات القوة الواقعية.

وفي النهاية، قد لا تكون طهران أمام خيارين متناقضين بين التهدئة والتصعيد، بقدر ما تحاول الجمع بينهما في معادلة واحدة: تهدئة عندما تكون الدبلوماسية قادرة على حماية المصالح، وتصعيد عندما يصبح الضغط محاولة لفرض الإرادة بالقوة.

والرسالة الأوضح التي تخرج من طهران اليوم هي أن العقوبات قد تفتح باباً للتفاوض، لكنها لن تكون بديلاً عن التفاوض؛ وأن اليد التي تمتد للحوار ستبقى، في الوقت نفسه، ممسكة بأوراق القوة.