بقلم علي خيرالله شريف
لا نحب أن نرد على ترهات المفترين، ولكن بما أن المفتري هو متربع على كرسي نقابة الصحافة، فلا بُدَّ من الرد احتراماً للنقابة التي لم نتعوَّد أن نرى نقيبَها يتحَيَّزُ لأحدٍ أو يستغل موقعه لشتم أحد، ولا أن يتصرَّفَ بفِئويَّةٍ وضيقِ أُفُقٍ وتقوقع في أي انتماءٍ حزبيٍّ مرتهن للمفاهيم الخشبية والأنظمة الديكتاتورية التي تمارس الكذب والتضليل والتكفير.
على نقيب الصحافة أن يتأدَّب بأدبها ويلتزم بسياستها ولهجتها، لأنه يُمَثِّلُ لبنان بكل زخرفه وتنوعه، ولا يحق له النطق بلهجة الصحيفة التي يرأس تحريرها أو بلهجة صحيفة عكاظ والشرق الأوسط السعوديتين. وإن لم يلتزم بهذه السياسة المعتدلة، المفترض أن تقوم الصحافة اللبنانية بنزع الثقة منه وعزله من منصبه كي تعود إلى النقابة موضوعيتها ونزاهتها واستقامتها وتمثيلها الجامع.
لا يحق لهذا النقيب أن ينقلَ للنقابة سلوك شهود الزور والسمعة التي لا تنسجم إطلاقاً مع سمعة النقابة وتاريخها الرصين. ولا يليق أن تنتقل السيرة الفضائحية السابقة المنسوبة إليه في بعض المجلات التي كان يديرها والتي يمكن لأي باحثٍ الاطلاع عليها في المواقع الالكترونية، وليس أفظعها دعمه لرياض سلامة ووصف المتظاهرين ضده بالمخربين، وعلاقته الـمشبوهة ببعض رموز الفن الهابط على مدى عقودٍ من الزمن.
بعد كل تاريخه المعروف، تَبَوَّأ الكعكي موقع النقيب بالتسويات والمحاصصة والمحسوبيات والتدخلات الخارجية المشبوهة. وها هو قَلَمُهُ يجافي الموضوعية والحياد، ويسطر على صحيفته الصفراء “الشرق” مقالاً مليء بشهادات الزور وتزوير الحقائق..
كل صحافة العالم، حتى الغربية منها، تحدثت عن استقلالية ثورة الإمام الخميني عن الشرق والغرب، وعن وطنيته والتزامه بقضية فلسطين التي تخلَّى عنها أسياد عوني الكعكي. وكل الكون يعلم أن إيران تتعرض للحصار الاقتصادي الفاجر من قبل الولايات المتحدة الأميركية منذ 43 عاماً بسبب عدائها لأميركا وكيان إسرائيل، وبسبب اجتثاث نفوذهما فيها، إلا عوني الكعكي الملقب بنقيب الصحافة اللبنانية تَفَتَّقت عبقريته عن أن الإمام هو صناعة أميركية.
حتى أخبث الخبثاء وأعدى الأعداء لإيران، لم تُطِعهم أقلامُهم أن يشهدوا بهكذا شهادة زور عن إيران وعن قائد ثورتها، أو أن يكتبوا أباطيل عنهم، كالتي يتمنطقُ بها عوني الكعكي. فإما أن يكون هذا الشخص جاهلاً بحقيقة الثورة في إيران التي تعتبر من أكبر الثورات وأنقاها وأصدقها، والتي غيرت وجه التاريخ وزلزلت نفوذ أميركا في العالم، وهذا الجهل يعتبر نقصٌ خطير في صحفي يتبوأ موقع نقيب الصحافة. وإما أنه يعلم ولكنه يكذب لتشويه الحقيقة تنفيذاً لرغبةِ أسيادِه في الرياض، وعملاً بقاعدة “عنزة ولو طارت” التي يتبعها أترابُه في لبنان. وفي كلتي الحالتين يجب عزله من منصبه رحمةً بنقابة الصحافة وبتاريخها الـمُشَرِّف الذي نفتخر به. وفي حال كان لبنان قاحلاً إلى هذا الحد وأصرت المحاصصة الطائفية البغيضة فيه على اعتماد هذا الشخص نقيباً للسلطة الرابعة المسكينة، فليتم تأهيله وتثقيفه من جديد بغية إصلاحه(مع استحالة الأمر)، ثم إجراء امتحان تأهيلي له قبل اتخاذ أي قرار بتثبيته أو إحالته على التقاعد ليمارس هوايته بإنشاء المجلات المشبوهة أخلاقياً.
أي عقم فكري يعتري هذا الكعكي، وأي جهلٍ مُدقِع جعله يُنكِر أن إيران الشاه لم تكن سوى خادمة لأميركا وإسرائيل وبريطانيا، وكان يحكمها سفراء تلك الدول؟ وأي أُمِّيَّةٍ إعلامية وتاريخية يعاني منها فجعلته يجهلُ تفاصيل حركة الإمام الخميني منذ انطلاقته لغاية انتصاره وتأسيسه لأصدق دولةٍ في وفائها لشعبها، وفي نصرتها للقضية الفلسطينية ولكل مستضعفي العالم، وفي عدائها لكل أنواع الاضطهاد والعدوان والاستعباد؟
كيف لا يتطوع عوني الكعكي لتسخيف الهجوم الإيراني على الكيان الصهيوني، وهو بكل بساطة ينتمي إلى نفس المدرسة التي تناصب العداء لإيران منذ انتصار ثورتها التي حولت سفارة كيان إسرائيل في طهران إلى سفارة لفلسطين. تلك المدرسة الفاسدة التي ما زالت تُصدِرُ بحق إيران وغيرها فتاوى التكفير والتوهين والتخريب والقتل بلا رحمة.
كل الإعلام العالمي شهد بأن الرد الإيراني كان بمثابة الطوفان الذي أرعب العدو وأرعب كل الدول المتحالفة معه حتى الدول العربية المتواطئة، إلا هذا الشخص فقد بلغ به النضوب الفكري أن يُشَبِّهَ الرد تارةً بفيلم الرعب وطوراً بالفيلم الهندي وأحياناً بكارثة الكوارث. ويردد نفس اللازمة السخيفة التي عودنا هو وفريقه عليها “أذرع إيران”.
بلغ العقم الفكري الـمُضحك والتفاهة عنده أن يقول أن كيسنجر أتى بالخميني محل الشاه لأن هذا الأخير رفض شن حرب لتشييع العراقيين وأهل السنة، وعندما قَبِلَ الإمام الخميني المهمة عَيَّنه كيسنجر قائداً لإيران. وبلغ به الجهل أنه لا يعرف أن سبعين بالمئة من شعب العراق هم من الشيعة، وأن يوجه تهمة لإيران أنها تريد تشييع العراقيين وتريد تشييع مليار ونصف مليار من أهل السنة. هل هناك أسخف من هكذا طرح؟
طبعاً هو لا يريد أن يفهم أن الإمام الحميني هو أول من أسس أسبوعاً للوحدة الإسلامية في العالم وثَبَّتَه بمناسبة المولد النبوي الشريف، وأن المحتفلين به عالمياً، يتزايدون عاماً بعد عام، دون أن يتشيعوا. ولا يريد أن يفهم معاني إعلان يوم القدس العالمي من قبل الإمام الخميني وتأسيس فيلق القدس وجيش العشرين مليون لتحرير فلسطين، في حين أسيادُه يقتلون الفلسطينيين من أجل بيع فلسطين. ولا يريد أن يفهم ما معنى دعم جمهورية الخميني للمقاومة الفلسطينية دون مقابل ولا حدود.
لا يضيرنا عدم اعترافه شيئاً، بل يضيرنا احتلاله لمنصب النقابة، في حين أن اهتماماته تقع في مكان آخر ولا علاقة لها بالصحافة ولا بالحقيقة ولا بالأخلاق ولا بالكرامة.
وبلغ الكذب والتضليل عند عوني الكعكي أن يُحمِّلَ الإمام الخميني مسؤولية إشعال الحرب التي شنها صدام حسين على إيران عام 1980 بإيعاز من أميركا وبتمويل من السعودية ودول الخليج الحاقدة على إيران. وتجاهل أن إيران، رغم الحصار، بلغت القوة التي لا تحلم بها كل دول العهر العربي وأبواقها الـمُتَشَدِّقة من أمثاله.
سقا الله أيام كان للصحافة اللبنانية نقباؤها المحترمين المعتدلين من أمثال رياض طه وملحم كرم ومحمد بعلبكي وغيرهم. وأبعد الله عنها النقباء الحاقدين والجاهلين والمأجورين والناعقين بالفتنة.