عن التهديد الذي يمثله قطيع واويّة الهستيريا… ورعاتهم

| محمد كركي | “باقر”  خبير اتصال

 

المناعة ليست لقاحاً يُحقن، بل هي “عقل فطِنٌ” يرفض التسليم بالسرديات المعلبة؛ فإما أن نكون “شهوداً” على عصرنا بوعي نقدي، أو نكون مجرد “أرقام” في تقارير غرف التفكير التي تشتهي موتنا البطيء.

حين تُقرع طبول الحروب الصامتة، لا تبحثوا عن الغبار فوق التلال، بل ابحثوا عنه في ثنايا القلق الذي يسكن العيون، وفي “الخوف المقيم” الذي يحاول ترويض الوعي الجمعي قبل أن تسقط القلاع.
إننا نعيش في زمن “الجغرافيا النفسية”، حيث لم يعد الميدان مجرد حدود مرسومة بالأسلاك الشائكة، بل أصبح حيزاً رمادياً يستهدف “الحَرَم الداخلي” للإنسان، محاولاً انتزاع فطرته وتحويلها إلى مجرد أداة في ماكينة ‎#الاستهلاك. إن المعركة اليوم هي ‎#حرب_ناعمة بامتياز -بعيدًا عن تسطيح المفهوم الذي حصل غالبًا بسبب ممارسات من يفترض بهم تحويله لنمط حياة- تشنها معامل التفكير التابعة لوحش الهيمنة وفق مصفوفات معقدة، تهدف إلى تفكيك ‎#السيادة الفكرية والمعنوية للفرد والجماعة والأمة – قبل المساس بحدودها المادية.
التغيير الذي ننشده في الواقع الخارجي يظل مرهوناً، في المقام الأول، بتغيير “ما بالأنفس”؛ لقد انتقلنا من عصر “الورقة المصورة” الموزعة في الأزقة المظلمة إلى فضاء “الصورة الرقمية” العابرة للقارات، التي تتدفق بغزارة لتعيد صياغة السرديات الاستراتيجية. وفي ظل هذه التحولات، لم تعد الشعارات الطنانة أو الطقوس الجوفاء كافية لبناء المناعة؛ فالغول المتوحش المهاجم يخطط لآفاق عام 2030 وما بعدها… هل تريدون مواجهته بالانفعال وقطيع من “واويّة” الهستيريا؟

الأساس هو روحية الفرد. الأساس هو بناء “المؤمن الواعي المعاصر”  الرافض للانكفاء في “إسلام طقسي” معزول عن نبض الحياة. المؤمن الذي يتسلح بالبحث والنقد كأدوات دفاعية سيادية، مدركاً أن “رأس المال” الحقيقي هو الصمود المبدع – لا الاستهلاك السلبي للمفاهيم الجاهزة. إن غياب هذا الوعي يفتح الباب واسعاً أمام “مروّجي الهستيريا” لدى الأجيال الشابة والناس البسيطة المكلومة؛ تلك النماذج التي يحميها بعض المتنفذين ممن فقدوا البصيرة والحكمة، ويقومون الآن بضرب الشباب والبيئة عبر سيركٍ من الواويّة والمهرجين والعصابات الفاسدة، الأمر الذي قد يدفع هذه القوى نحو خيارات انتحارية لاعقلانية تحت ضغط الإهانات السيادية المتكررة.

الأرقام تتحدث ببرود كاشف؛ ففي غياب “الإدراك الناقد”، ترتفع احتمالية نجاح استراتيجيات التفكيك الناعم، بينما ترتفع قدرة المجتمع على الصمود إلى نسبة عالية عندما يتحول “الوعي” إلى بنية تحتية صلبة.
إننا بأمسّ الحاجة لثورة أخلاقية تعيد وصل الديني بالسياسي وفق رؤية ائتمانية تحفظ للبيئة والأمة أصالتها وتمنحها القدرة على الابتكار في مواجهة الحصار. فالطريق الوحيد لمنع سقوط المجتمع في فخ الاستنزاف هو الانتقال من رد الفعل “الانتقامي” إلى الفعل “الرسالي” الذي يستشرف المستقبل ويصنعه، بدلاً من أن يظل ضحية لخرائط تصاغ في غرف الظل العفنة.