| أبو الفضل عباس |
تأتي هذه المقالة في لحظة يموج فيها الشارع بالأسئلة والقلق، على خلفية حديث متصاعد عن مرحلة دقيقة تُوصف بأنها “الأيام العشرة الحرجة” الفاصلة بين الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي والاستحقاق الأمريكي النصفي. تصريحات متلاحقة — بعضها من قيادات ميدانية وبعضها من موفدين دوليين — أشعلت الجدل وأربكت الحسابات، فصار الناس يتساءلون، هل نحن أمام حرب قادمة؟ أم أمام ضجيج إعلامي يُفرَّغ من مضمونه؟
المقالة التي نعرض أفكارها هنا لا تدّعي امتلاك “النعم” أو “اللا” الحاسمة، بل تختار طريقاً أصعب، تفكيك المشهد من زاوية الوعي والنفس البشرية، بعيداً عن المجاملة وعن استدرار العواطف. هدفها ليس تطمين أحد ولا تخويفه، بل رفع الجهوزية الحقيقية وتصحيح طريقة تعاطينا مع احتمالات المواجهة. وهذا هو مدخلنا إلى ما سمّاه المحاضر “فجوة القناعة”.
1. سياق المرحلة ، بين ضجيج التصريحات وضباب الاحتمالات
قبل الدخول في المفاهيم، لا بد من ضبط المشهد. الحديث الدائر عن “الأيام العشرة الحساسة” ليس حديثاً عابراً، إنه حديث يخلط بين معطيات سياسية واقعية (توقيت الانتخابات، رسائل الموفدين، تصريحات القيادات) وبين قراءات متسرعة تحوّل الترجيح إلى يقين، والاحتمال إلى حكم نهائي.
الخطر هنا ليس في المعلومة بذاتها، بل في طريقة استقبالها. فالمعلومة نفسها قد تصل إلى شخص فتجعله أكثر استعداداً ووعياً، وتصل إلى آخر فتوقعه في هلع أو تدفعه إلى إنكار كامل. الفارق ليس في الخبر، بل في الجهاز الوعي الذي يستقبله. من هنا تنطلق الحاجة إلى تفكيك نفسي وإدراكي صريح، لا إلى مزيد من العناوين المثيرة.
مثال ميداني، حين تُنقل رسالة موفد دولي مفادها أن “الاحتمال وارد خلال عشرة أيام”، يمكن قراءتها بطريقتين، الأولى تحويلها إلى “الحرب قادمة يوم كذا”، والثانية اعتبارها مؤشراً يستدعي مراجعة الجهوزية دون الجزم بالتوقيت. الفرق بين القراءتين هو الفرق بين وعي يعمل ووعي يستجيب للانفعال.
2. ما هي “فجوة القناعة”؟ الفارق بين ما نقوله وما نتحمّله
المشكلة، تأييد على الورق، وارتباك عند أول تكلفة
“فجوة القناعة” هي المسافة بين الإقرار النظري والاستعداد العملي. تظهر حين يعلن الإنسان تأييده الكامل لخيار المقاومة والردع والصمود، بكل حماس، على السطور وفي مجالس الحديث، ثم ما إن يقترب الاحتمال الفعلي لدفع الثمن — مادياً ومعنوياً وأمنياً — حتى ينتابه الجزع، ويبدأ البحث عن من يطمئنه، ويتمنى لو أن أحداً “يسكّت” أي تحذير.
هذه الفجوة ليست عيباً أخلاقياً في الإنسان بذاته، إنها حالة نفسية قابلة للفهم. لكن الخطورة تبدأ حين تتحول هذه الحالة إلى مطلب يوجَّه إلى الإعلام والخطاب العام، طلب التخدير، وطلب التطمينات الكاذبة، ورفض كل من يقول إن الاحتمال موجود. عندها لا يعود الأمر خوفاً مشروعاً، بل محاولة إلغاء الواقع والهروب من الحقيقة لمجرد أن فكرة الحرب مزعجة.
من الطبيعي ألا يحب أحد الحرب
لا أحد يحب الحرب. لا أحد يتمناها. هذا موقف إنساني سليم ومشروع، ولا حاجة للاعتذار عنه. لكن الفارق كبير بين كراهية الحرب وإنكار احتمالها. كراهية الحرب تدفعك إلى الاستعداد لها لتجنّب شرورها، أما إنكارها فيتركك عارياً حين تأتي.
الاختبار الحقيقي، القدرة على تحمّل الكلفة
القناعة الحقيقية لا تُقاس بكلمة “نعم أؤيد” في مجلس، بل بسؤال عملي، هل أنت مستعد لتحمّل ما يترتب على هذا الخيار؟ انقطاع الكهرباء أياماً، تعطّل المدارس، ارتفاع الأسعار، قلق على الأبناء، ربما تهجير مؤقت، وسماع أصوات لا تبعث على الراحة. من يقبل الخيار ويقبل ثمنه يكون قد عبر الفجوة، ومن يقبل الخيار ويرفض الثمن يبقى واقفاً على حافتها.
مثال ميداني من غزة، خلال المواجهات المتكررة، كان كثيرون يعلنون التأييد، لكن الاختبار ظهر في تفاصيل صغيرة، من يحتفظ بصبره حين تنقطع المياه أياماً؟ من يلتزم بتعليمات الطوارئ دون جدال؟ من يستمر في دعم الميدان حين تتأخر الأخبار الجيدة؟ هذه التفاصيل هي المقياس، لا الشعارات.
مثال من الجبهة الشمالية (لبنان)، حين تُهدَّد مناطق بعينها، يتضح الفارق بين من يعلن الثبات ومن يبدأ بالبحث عن “تطمين” من أي مصدر كان، حتى لو كان مصدراً غير موثوق. الثبات الحقيقي هو الذي يصمد حين لا يأتي التطمين.
مثال من جبهات أخرى، في أي مواجهة طويلة — من الضفة إلى الجولان إلى أي ساحة — يتكرر النمط نفسه، مرحلة الحماس الأولى، ثم مرحلة الاختبار حين تطول المعركة وتقلّ الأخبار السارة، وهنا تظهر القناعة الحقيقية أو تنكشف الفجوة.
3. العدو يقرأ مشاعرنا، كيف تُستثمر وسائل التواصل في الحرب النفسية
– الشاشات ميدان مفتوح
لم تعد وسائل التواصل مجرد مساحة للرأي. في الحروب الحديثة، هي مادة استخبارية بامتياز. يتابع العدو المنشورات والتعليقات وردود الفعل ليقيس مزاج الجبهة الداخلية، وليكتشف أين توجد الثغرات، أي المناطق أشد قلقاً؟ أي الشرائح أسرع انهياراً؟ أي العبارات تثير الذعر أكثر؟
– من الهلع إلى الابتزاز
حين يرى العدو أن البيئة الحاضنة “مربكة ومستنزفة” — تعليقات هلع، بحث محموم عن تطمين، مطالبات بإسكات كل تحذير — فإنه لا يُشفق، بل يستثمر. يزيد في التهديد، يرفع سقف الوعيد، ويمارس ابتزازاً نفسياً موجهاً إلى المناطق التي يرى أنها الأكثر هشاشة. بكلمة أخرى، الهلع الذي ننشره لا يشتري لنا السلام، بل يشتري للعدو ورقة ضغط إضافية.
مثال واقعي، خلال موجات التهديد المتكررة، رصدت متابعات كيف أن انتشار شائعة معينة عن “قصف وشيك” في منطقة ما كان يُترجم إلى ارتباك في تلك المنطقة بعينها، ثم إلى تهديدات موجّهة إليها. الشائعة لم تكن بريئة، كانت جرعة خوف مجانية قدّمها المستخدمون للعدو على طبق.
– كل كلمة حساب
هنا سننتقل من التحليل إلى المسؤولية، كل تعليق، وكل إعجاب، وكل نقل لشائعة، هو مساهمة — صغيرة في الظاهر، متراكمة في الحقيقة — في ضرب معنويات الأمة وتسهيل مهمة العدو. وهذا أمر يُسأل عنه الإنسان أخلاقياً وإيمانياً، لا فقط سياسياً. المسألة ليست “حرية تعبير” في مواجهة “رقابة”، بل وعي بثقل الكلمة في زمن يقرأ فيه العدو كل حرف.
4. لا تهويل ولا إنكار، النضج في تحمّل الغموض
– طرفا النقيض
في كل أزمة، يبرز تياران متقابلان،
– المُهوِّل، ينقل الناس فوراً إلى أسوأ السيناريوهات، ويجزم بأن الحرب واقعة لا مفر منها، وكأنه يملك جدولاً زمنياً مؤكداً. هذا التيار يزرع اليأس تحت شعار “الوعي”.
– المُنكِر، يهرب إلى تفاؤل مفرط، وينفي الخطر بالكامل، ويقدّم طمأنينة مصطنعة تخدّر الناس تحت شعار “لا داعي للقلق”.
الاثنان يشتركان في خطأ واحد، ادعاء اليقين حيث لا يقين. أحدهما يقتل الأمل، والآخر يقتل الجهوزية.
الوعي الحقيقي يقبل “لا أعرف بعد”
النضج النفسي والإدراكي يقتضي شيئاً صعباً على الكثيرين، القبول بمرحلة عدم اليقين. الوضع الحالي يحتمل سيناريوهين — حرب أو لا حرب — وكلاهما ممكن، والترجيح بينهما يبنى على مؤشرات واقعية ودلائل موضوعية، لا على الأمنيات ولا على الشائعات.
في علوم السياسة والحرب، لا توجد إجابات معلّبة من نوع “نعم” أو “لا” حاسمة. من يطلب منك يقيناً مطلقاً في هذا المجال، إما يبسّط ما لا يُبسَّط، أو يبيعك شيئاً آخر غير الحقيقة.
مثال ميداني، في كل مواجهة سابقة، ظهر في اللحظات الحرجة من يجزّم بأن “الضربة آتية الليلة”، ومن يجزم بأن “لا شيء سيحدث إطلاقاً”. وفي الغالب، لم يكن أيٌّ منهما على صواب كامل. من نجا نفسياً وإدراكياً هو من قال، “الاحتمال قائم، فلنستعد، ولننتظر ما تكشفه الأيام.”
5. التفكير الجاهز وثقافة التسليم، نقد الوعي الاستهلاكي
– لا وقت للفهم، فقط للخلاصة
ثمة شريحة لا تستطيع الاستماع إلى محاضرة كاملة، ولا قراءة كتاب، ولا متابعة تحليل يتجاوز دقائق. لكنها في الوقت نفسه تطلب إجابات جاهزة و”جرعات وعي معلّبة” على مقاسها، وكأن فهم حرب وجودية يمكن اختصاره في منشور أو مقطع قصير.
هذا ما يمكن تسميته “التفكير الجاهز” أو “ثقافة التوصيل السريع”، كل شيء يُطلب حاضراً، سريعاً، بلا جهد، وعلى ذوق الطالب. والمشكلة أن الحرب الوجودية لا تُفهم بهذه الطريقة. من يريد أن يفهم طبيعة الصراع يحتاج وقتاً وجهداً وصبراً على المعلومات المتناقضة.
– المقارنة الحادة، من يذوب في الميدان ومن يستكثر ساعة قراءة
هنا سنضع مقارنة قاسية لكنها ضرورية، بين شباب يذوبون في الميدان، تتحول عظامهم إلى رماد دفاعاً عن الأرض دون تردد، وبين أفراد في البيئة الداخلية يستكثرون ساعة استماع أو قراءة، وينشغلون بالتذمر والنقاشات العقيمة حول الأخبار. الفارق ليس في القدرات، بل في ترتيب الأولويات، من دفع الثمن الأقصى، ومن يستكثر الثمن الأدنى.
مثال واقعي، في كثير من الجبهات، يقضي المقاتلون ساعات طويلة في التحليل والمراجعة والتعلّم، بينما قد يقضي بعض من هم في أمان تام ساعات في الجدل حول تفاصيل خبر عابر. المفارقة أن من يتحمل العبء الأكبر هو غالباً الأكثر حرصاً على الفهم.
6. واجبات الجبهة الداخلية، إدارة الخوف لا الخضوع له
– المجتمع الواعي ليس الذي لا يخاف
لا يوجد مجتمع بلا خوف، ولا فرد بلا قلق. الوهم أن نطلب من الناس ألا تخاف. المطلوب شيء آخر، أن يديروا خوفهم، ألا يسمحوا له بإحداث الإرباك، وألا يتركوه يوجّه قراراتهم. الخوف شعور، الإدارة سلوك.
– رقابة ذاتية على ما ننشر
من هنا تنبع الدعوة إلى رقابة ذاتية لا مفروضة من خارج، أن يحتفظ الإنسان بهواجسه الشخصية لنفسه أو لدائرته القريبة، وألا يحوّل قلقه الفردي إلى رأي عام سلبي يضر بخيار المواجهة. ليس المطلوب كتمان كل شيء، بل التمييز بين مشاركة مسؤولة ونقل غير مسؤول.
شروط الثبات
وأخيراً، سنحدد شروط الثبات، الانتماء الصادق لخط المقاومة يعني الثبات في السلم والحرب معاً، وتحمّل التبعات طلباً للكرامة والفوز، لا طلباً للمواقف أو المشاهدات أو التطمينات المخدّرة. من ينتمي لأجل الصورة ينسحب حين تغيب الصورة، ومن ينتمي لأجل المبدأ يبقى حين يشتد الضغط.
مثال ميداني، خلال فترات التصعيد والهدوء المتعاقبة، يظهر الفارق بين من يبقى على موقفه في الحالتين، ومن يتحمس في لحظة الغضب وينسحب في لحظة الهدنة أو العكس. الثبات هو استمرارية الموقف عبر تغيّر الظروف، وهو أصعب اختبار في أي جبهة.
خاتمة، من الفجوة إلى الجاهزية
خلاصة المقالة يمكن اختصارها في سؤال واحد يوجّهه كل إنسان إلى نفسه، هل قناعتي قناعة مُكلِّفة أم قناعة مريحة؟ من يجيب بصدق يستطيع أن يعبر الفجوة، ومن يتهرّب من السؤال يبقى حيث هو. المرحلة الحساسة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى مزيد من الهلع، ولا إلى إنكار يخدّر. تحتاج إلى وعي يقبل الغموض، وإلى إدارة للخوف لا خضوع له، وإلى كلمة مسؤولة تُوزن قبل أن تُنشر، وإلى ثبات يعرف لماذا يقف، وماذا يدفع ثمناً، وإلى ماذا يصمد.
هذه هي الجاهزية الحقيقية، ليست غياب الخوف، بل حضور الوعي في قلب الخوف.