علي خيرالله شريف / شبكة جبل عامل الإعلامية
المرة الوحيدة التي أعلن في لبنان الحرب، كانت بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ويومها طلبت منه الولايات المتحدة أن يعلن الحرب على ألمانيا، لتزيد عدد المؤيدين لها، ولكي يكون شريكاً في السلم. وفعلاً فعلها لبنان باعتبار أنه في مأمن من غضبة ألمانيا وهي مهزومة. قبل ذلك التاريخ وبعده، لم يعلن الحرب إلا الدول القوية لأسباب شتَّى، وليست الدول الهامشية الواهنة مثل لبنان.
بشكلٍ أساسي، الدول القوية المعتدية هي التي تعلن الحروب وتبدأها، والدول الأخرى لها تصنيفاتٌ متعددة منها المستسلمة المهزومة ومنها المتصدية لرد الكيد عنها، وغير ذلك من المواقف والتسميات.
في العالم المعاصر، إن قرار الحرب والسلم هو بيد أمريكا وحلف الناتو، لأنهم هم أصحاب مخططات الغزو والهيمنة والسيطرة وابتلاع ثروات الآخرين. وهم الذين حولوا البشرية إلى فئران تجارب، بالحروب والأمراض والتجارب النووية والأسلحة الفتاكة. فكل حضارتهم شيدوها بالحروب التي أشعلوها. ومن أهم مبادئ الولايات المتحدة الأميركية أنها تعتبر نفسها ضرورة للعالم لتحفظ الأمن فيه، وتنصب نفسها شرطياً له، وتعطي نفسها حق التدخل حيث تريد، وحق محاصرة من تريد، وحق ارتكاب المجازر حيثما تريد.
“إسرائيل” هي وكيلة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وتنطبق عليها نفس مواصفاتها إقليمياً. لذا المطلوب أن تبقى هي الأقوى وهي المهيمنة، ويحق لها ضرب أي دولة إقليمية تحاول أن تُطَوِّرَ نفسها عسكرياً واقتصادياً أو تنموياً، لكي لا تضاهيها أو تشكل خطراً عليها.
إذن، قرار الحرب والسلم في أي دولة في غرب آسيا(الذي يسميه الغرب الشرق الأوسط)، ليس بيد أي دولة غير “إسرائيل”، بل ممنوع أن يكون بيد أي دولة غير إسرائيل. فلبنان مثلاً كان منذ نشأته راضخاً لهذه القاعدة الصهيوأميركية، وكانت حكوماتُهُ تدفن رأسها في التراب أمام أي اعتداء صهيوني عليه. وكانت تكتفي برفع الشكوى لمجلس الأمن الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، فتهمل شكاوى لبنان، وتجهض أية محاولة لإدانة إسرائيل. وكلنا نعرف المقولة التي صدعوا رؤوسنا بها أن قوة لبنان في ضعفه، وكلنا نعرف أنهم جعلوه ملعباً أميركياً إسرائيلياً للتسلية ولإدارة الكثير من المخططات في المنطقة منه.
إذن، كان قرار الحرب والسلم على لبنان ومن لبنان، بيد السفارة الأميركية وكيان إسرائيل، وما زال هكذا لغاية اليوم وعندما تم تأسيس مقاومة لبنانية وطنية وإسلامية، كان ذلك للدفاع عن لبنان، وبشكل أساسي عن الجنوب اللبناني، ولتحرير الأراضي التي احتلها الكيان الصهيوني. ولم يكن ذلك بمثابة الاستيلاء على قرار الحرب والسلم، الموجود أصلاً في مكان آخر غير لبنان. إذن كان ذلك بمثابة مبادرة للتصدي لقرار الحرب على لبنان، الذي اتخذه العدو ونَكَّلَ بموجبه بنا، على مدى أكثر من نصف قرن.
فهل تعتبر تلك المبادرة بالتصدي بمثابة الاستئثار بقرار الحرب والسلم كما يشيع الغوغائيون؟ أم تعتبر عمل بطولي قام به ثلة من اللبنانيين للدفاع عن بلدهم أمام قرارات الحرب العدوانية عليهم، بعد أن تقاعست دولتهم طويلاً عن حمايتهم؟
وضمن إطار حماية لبنان، يندرج تدخل الم_قا_ومة في سوريا، ومساندتها لغزة منذ 7 أكتوبر 2023، لأنه بكل بساطة كان إرهابيو سوريا يتأهبون للزحف على لبنان لو انتصروا(وقد أعلنوا ذلك مراراً)، والكيان الغاصب اليوم يتأهب للإجهاز على لبنان لو انتصر في غزة وفلسطين. وكل من يقول غير ذلك هو جاهلٌ أو متجاهل، في السياسة وفي التاريخ وفي الجغرافيا وفي معرفة حقيقة الصهيونية والغرب. وكل من يقول أن الكيان لا أطماع له في لبنان، هو من أجهل الناس في تاريخ صراع لبنان مع هذا العدو، ولا يفهم ماذا يقول ولا ماذا يجري.
لا يتوقف اليمين اللبناني المتطرف، من جماعة عنزة ولو طارت، ومنهم كهنة ورجال دين، عن اتهام ح. الله بمصادرة قرار الحرب والسلم في لبنان، وعن أنه سلبه من يد الدولة، وأنه لم يشاورهم في اتخاذه، إلى آخر المعزوفة التي تضج بها وسائل إعلامهم ويمِلُّ منها الناس. وهذا يعتبر تضليل للرأي العام وتشويه للحقيقة؛
فأولاً القرار ليس قرار الحرب والسلم بل هو قرار الدفاع عن لبنان بوجه من يشن عليه الحرب ويحرمه من السلم.
ثانياً، السؤال ليس من يملك قرار الحرب والسلم، بل السؤال هو أين يوجد قرار السيادة الوطنية الحقيقية والاستقلال الحقيقي، هل هو بيد اللبنانيين أم بيد بعض السفارات؟
نقول للغوغائيين، إن قرار الحرب والسلم ليس بيد السيد حسن ن-ص-ر-ا-ل-ل-ه، بل هو بيد العدو. وسماحة السيد استلم مع الشرفاء اللبنانيين، بمؤازرة الشرفاء الإقليميين، قرار التصدي للعدو في عدوانه، والدفاع عن البلاد والعباد والكرامة، بعد أن هربتم منها ودفنتم رؤوسكم في الرمال. وهنا السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه: لماذا تخليتم عن قرار الدفاع عن الوطن بوجه قرارات العدو في الحرب عليه وحرمانه من السلم؟
فليكُفّ جهابذة هذا اليمين المتأمرك في لبنان والمنطقة(لكي لا نقول المتصهين)، عن اجترار مقولته المغلوطة بأن ح. الله يستولي على قرار الحرب والسلم، لأن مقولتهم باتت ممجوجة، ولا تمت للحقيقة بِصِلَة. إن ح. الله وكل المقاومين، قبله ومعه، يمسكون بقرار التصدي للعدو الذي يمسك بقرار الحرب علينا متى يشاء، والدولة اللبنانية استقالت من واجبها تحت الضغوط الأميركية والغربية بالتخلي عن شعبها وعن جيشها وعن اقتصادها، حتى بات الجنوب وكل لبنان مُنتَهَكاً.