بقلم علي خيرالله شريف
كما قلنا في مقال سابق، هذه ليست حكومة تصريف أعمال، بل هي حكومة فوق العادة. تحكم بغياب رئيس جمهورية، تتماهى مع كل الكتل النيابية، وتحظى بعطف وحنان المجلس النيابي، لدرجة جعلها ذات صلاحيات شبه استثنائية. كل فريق سياسي يحصل منها على ما يرضيه، فيسكت عما لا يرضيه، على قاعدة “حكّلِّي تا حكّلَّك”. عند احتدام الخطابات، الكل يعارض مشاريعها وموازناتها. وعند التصويت، الكل يصوت لها ويحابيها، فَتَطرُق مِطرَقَة رئيس المجلس بكلمة “صُدِّق” ويُقطَعُ نزاعُ القوم. ثم يعود كُلُّ ذي حقيبة نيابية إلى أريكتِه الوثيرة لِيُغَرِّدَ من على مِنَصَّاتِ التويتر ووسائل التواصل الاجتماعي، ويتغَزَّلُ بالعِفِّةِ والوطنية ويتلو علينا نظرياتِهِ في العدالة الاجتماعية. هي قصة سريالية، الحكومة غير مرضي عنها من أحد، وغير مذنبة بنظر أحد. وهي أصلاً غير عابئة بمن يعارضها ولا بمن يتألم بقراراتها، ولا تخشى المراقبة ولا المحاسبة.
في موازنة 2024، انصبَّ اهتمام حكومتنا الميقاتية على توفير الإيرادات لتغطية النفقات دون إعطاء أية أهمية للكيفية والآلية وللطبقات الشعبية. فغابت عن بالها الخطط الاقتصادية ونسِيَت كُلِّياً الثروات المخبوءة وحقوق الدولة المنهوبة، ولفلفت السرقات، وتجاهلت الفساد، ونَسِيَت الغاز والنفط، وطمست سرقة أموال المودعين والكادحين والمغتربين، ومَيَّعت قضية حكام المصارف والسارقين والمختلسين والمحتالين… أليس رئيسها هو أكبر الـمُتَّهمين بتهريب الأموال وتأجيج الفساد؟
بعد الموازنة الجديدة لم يعد بإمكاننا تسجيل سيارة، ولا حتى اقتناء بغلةٍ أو حمارة، ففي الأولى تضاعفت الرسوم إلى عنان السماء، وفي الثانية صار شراء الشعير والأعلاف في حكم الـمُحال، وصار الاخضرار مفقوداً في السهول والجبال، بسبب كلفة الزراعة والمياه واليد العاملة وفؤوس تجار الحطب.
نشكر النواب الذين فعلوا شيئاً “بهالعمر” وأدخلوا الكثير من التعديلات على الموازنة من خلال لجانهم النيابية، ما أدى إلى إلغاء ٤٦ مادة وتعديل ٧٣ غيرها. البعض يقول أن إلغاء تلك المواد وتعديل البعض الآخر، أدى إلى تجنيب المواطنين كوارث كبيرة. فإذا كان شكلها بعد التعديل عبارة عن كوارث، فكيف يا ترى كان حالها قبل التعديل؟ حتماً كانت إبادة جماعية للمواطنين، ونحن في زمن الإبادات والمجازر. فعلى سبيل المثال، كانت قبل التعديل كانت الضرائب أضعاف مضاعفة عن النِسَب التي أُقِرَّت، وكانت الموازنة تتضمن طلباً من مجلس النواب إعطاء إجازة للحكومة بالاقتراض كلما استحسنت ذلك، وكانت تتضمن وضع رسوم إضافية استثنائية على ما أسموه “الخدمات السريعة في الإدارات العامة”، وذلك يشبه طلب تشريع الرشوى وتقديم الخدمات للأثرياء وتأجيل مصلحة الفقراء حسب مزاج الموظف. وحسناً فعل النواب الذي أجهضوا هذين البندين وإلا كانا عبارة عن بابٍ إضافيٍّ للفساد والاستدانة دون ضوابط، ومن يقول استدانة يقول سمسرات ومزاريب هدر وزيادة ضرائب. ولم يسبق أحدٌ حكومة الرئيس ميقاتي في هذا الإبداع بتكريس الفساد.
عندما يكون في الحكومة وزير كالدكتور علي حمية، يُطَبِّقُ سياسةً نزيهة وذكية وماهرة ومُنتِجَة، تضخُّ في الخزينة أموالاً طائلة من وزارة واحدة، بحسن إدارته وترشيده للإنفاق دون تقتير على الخدمات، لن يبقى للحكومة أي عذر يمنعُها من الاقتداء بهذا النموذج الأمثل للحكم وإنقاذ البلد. ولن تكون الحكومة عندها بحاجة لفرض الضرائب العشوائية لتمويل الموازنة، إلا فائقة الضرورة منها. إن تجاهلها لهذا النموذج من الوزراء هو عين الجهل بكيفية الحكم(لكي لا نقول أكثر من ذلك)، وإصرار على الفوضى والسمسرات واستهتارٌ بمعاناة الناس، وكأن هذه الحكومة تفضِّلُ طريق الانهيار على طريق الخلاص.
في كُلِّ هرطقة حكومية، نستذكر حكومة الرئيس حسَّان دياب، التي رفضت زيادة الضرائب، وامتنعت عن رفع الدعم قبل إقرار البطاقة التمويلية لدعم الفقراء، وأقرَّت التدقيق الجنائي لقطع دابر الفساد، ووضعت الخطة الاقتصادية والمالية الأولى في ترايخ لبنان تنقله من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، وشهد لها المفكرون الاقتصاديون والمؤسسات الدولية.
هذا هو الفرق بين حكومة تضع الخطط الاستراتيجية، وحكومة تتصرف كالدكنجي الجَشِع، الذي يُغطي النفقات من جيوب زبائنه المسحوقين ومن صناديق المانحين والدائنين الطامعين فيه.
برغم ما عَدَّلَهُ النوَّاب من بنود الموازنة، إنها لم تكن موازنة خلاص البلاد، بل كانت موازنة خلاص الحكومة من هم الموازنة. دققوا فيها لتستنتجوا أن كل نائب صَوَّتَ لمصلحة هكذا موازنة، أو سكت عنها أو التزم الحياد تجاهها، قد ارتكب خطأً بحق شعبه، بالثقة التي أولاها لهذه الموازنة، وبالثقة التي منحها للحكومة لتتحَكَّمَ برقاب منتخبيه.