هدوء الجبهات… وصراع خلف الكواليس

الإعلامي خضر رسلان

ليس من السهل قراءة المشهد الإقليمي من خلال الهدوء الذي يبدو مسيطرًا على بعض الجبهات. فخلف هذا الهدوء تتحرك ملفات عدة في اتجاهات متوازية، فيما تبدو الأطراف المعنية وكأنها تخوض مرحلة جديدة من الصراع، لا تقوم بالضرورة على الحرب المفتوحة، بل على الاستنزاف والضغط وتبادل الرسائل واختبار حدود الخصم.
المؤشر الأبرز في هذه المرحلة هو أن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية لم تُغلق أبوابها، حتى لو تراجعت نسبيًا احتمالات الحرب الواسعة مؤقتًا. فواشنطن تواجه ضغوطًا مرتبطة بكلفة المواجهة واستنزاف جزء من مخزونها العسكري، بينما تواصل طهران رفع مستوى التهديد، وتؤكد أن أي عودة إلى الحرب لن تكون من دون رد مختلف، وغير محسوب بالطريقة التقليدية.
وهنا تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا: الولايات المتحدة لا تريد الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة، وإيران لا تبدو مستعدة لقبول ضغط أميركي بلا ثمن. لذلك تنتقل المواجهة تدريجيًا إلى الاقتصاد والعقوبات والطاقة والممرات البحرية، حيث تصبح كلفة الصراع موزعة على أكثر من ساحة.
في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل شريان أساسي للطاقة والتجارة العالمية. وكلما ارتفع مستوى التوتر حوله، انعكس ذلك مباشرة على أسعار النفط وعلى الاقتصادات التي تعتمد على استقرار إمدادات الطاقة.
ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تزين عن 90 دولارًا للبرميل يضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد. فاستمرار الأسعار المرتفعة لا يضغط فقط على المستهلكين والأسواق، بل يزيد أعباء الخزانة الأميركية، في وقت تعاني فيه واشنطن أصلًا من ارتفاع الدين العام وتوترات اقتصادية متزايدة.
لكن الاقتصاد ليس الساحة الوحيدة التي تتحرك فيها المواجهة. فالجبهة اللبنانية تبقى الأكثر حساسية. والهدوء على الحدود الجنوبية لا يعني بالضرورة انتهاء المواجهة، بل قد يكون مرحلة لإعادة ترتيب الحسابات، في سياق يشير إلى أن قواعد الاشتباك لم تُغلق بصورة نهائية.
والأكثر دلالة أن الحديث عن احتمال تجدد الحرب لم يعد مرتبطًا بالجبهة اللبنانية وحدها. فإمكانية تدخل إيران في حال توسعت المواجهة تعني أن أي تصعيد على الحدود الجنوبية قد لا يبقى محصورًا في الجغرافيا اللبنانية، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر إضافي في مواجهة إقليمية أوسع.
وفي المقابل، لا تبدو السعودية خارج دائرة الضغوط. فالجبهة اليمنية تواصل فرض نفسها على المشهد، ولا سيما من خلال التهديد الذي يطال المنشآت النفطية وحركة الملاحة في البحر الأحمر. وبذلك تصبح الطاقة مرة أخرى في قلب الصراع، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، مرورًا بالمنشآت النفطية الخليجية.
أما تركيا، فتتحرك في مساحة شديدة الحساسية. فأنقرة تحاول تثبيت حضورها في سوريا، بينما تنظر إسرائيل إلى تنامي النفوذ التركي باعتباره احتمالًا استراتيجيًا يستحق المراقبة. ومع ذلك، لا يبدو أن الطرفين وصلا إلى مرحلة القطيعة، إذ ما زالت الاتصالات والوساطات الأميركية حاضرة لاحتواء الخلاف.
وفي الضفة الغربية، تبرز مؤشرات مختلفة، إذ تحذر تقديرات إسرائيلية من اقتراب الوضع من مرحلة الانفجار. وهذا يعني أن إسرائيل لا تواجه جبهة واحدة، بل مجموعة جبهات متداخلة، بعضها عسكري مباشر، وبعضها الآخر سياسي وأمني.
وبين كل هذه الملفات، تبقى المفاوضات قائمة. وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها. فاستمرار الاتصالات والوساطات بالتوازي مع التصعيد يعني أن الأطراف لا تتحرك نحو الحرب فقط، ولا نحو التسوية فقط، بل تفعل الأمرين في الوقت نفسه. كل طرف يحاول تحسين موقعه على طاولة التفاوض من خلال الضغط في الميدان والاقتصاد والسياسة.
وبالعودة إلى لبنان، يبدو أن المواجهة المقبلة قد لا تكون عسكرية فقط، إذ هناك مساعٍ داخلية لاحتواء مؤسسات المقاومة والالتفاف عليها، ضمن بيئة سياسية تحظى بدعم أميركي وبعض العرب. وإذا صحت هذه القراءة، فإن لبنان يدخل مرحلة يمكن أن تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الحسابات الداخلية، بحيث تصبح المعركة على مستقبل التوازنات السياسية والأمنية جزءًا من الصراع الإقليمي نفسه.
المشهد، إذًا، لا يشير إلى استقرار حقيقي، بل إلى هدوء مليء بالرسائل. فالجبهات لم تُغلق، والأوراق العسكرية لم تُسحب، والاقتصاد يتحول بصورة متزايدة إلى سلاح، فيما تستمر القنوات الدبلوماسية في محاولة منع اتساع المواجهة.
ولعل الأهم في المرحلة المقبلة أن تبقى كل الأطراف قادرة على إدارة هذه المساحات المتداخلة من الصراع من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع. فجنوب لبنان مرتبط بالمواجهة وتداعياتها، ولا تنتهي عنده المواجهة الإيرانية ـ الأميركية، واليمن مرتبط بأمن الخليج، ومضيق هرمز مرتبط بالطاقة العالمية، وسوريا مرتبطة بالتنافس التركي ـ الإسرائيلي، والضفة مرتبطة بالداخل في الكيان الإسرائيلي.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل انتهت الحرب؟
السؤال الأكثر دقة هو: ما الذي يجري خلف هذا الهدوء؟
قد يكون الجواب في انتقال الصراع نفسه من صورته العسكرية المباشرة إلى أدوات أكثر تنوعًا: ضغط اقتصادي، ورسائل أمنية، وتحركات سياسية، ومفاوضات سرية، وإعادة رسم للتوازنات. وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة؛ فالميدان قد يبدو أهدأ، لكن الصراع في الكواليس لم يتوقف.