تقدير موقف |
واحد وعشرون ساعة أعادت تعريف غرب آسيا.
تجري، في العاصمة الباكستانية – إسلام آباد، مفاوضات أبعد ما تكون عن المسار التقليدي، وتبدو أقرب لصراع إرادات استمر في يومه الأول لـ 21 ساعة متواصلة. ما خرج من الغرف المغلقة، وما تلاه من تحركات في واشنطن، يشي بأننا أمام شبه انسداد تاريخي يضع العالم بأسره على حافة الانفجار.
أولاً: المعطيات السبعة.. لماذا انسدّ التفاوض؟
لم تكن النقاط التي طُرحت مجرد بنود تقنية، بل كانت ألغاماً استراتيجية كشفت زيف الرغبة الأمريكية في السلام:
1. وقف إطلاق النار في لبنان: الأمريكي، جاء يطلب هدوءاً مجانياً، لكن الإيراني كان صارمًا؛ التهدئة في لبنان لها ثمن سياسي واقتصادي تدفعه واشنطن، وليس مجرد وعد بضبط النفس الإسرائيلي.
2. مضيق هرمز (العقدة الكبرى): تحول المضيق من ممر ملاحي إلى ساحة سيادة؛ إيران تصر على فرض واقع قانوني جديد يتضمن رسوم عبور يحصلها البلدان المشرفان (إيران وعمان) مع سيطرة إجرائية، وهو ما تعتبره واشنطن إعلاناً لوفاة “النظام العالمي” الذي تقوده.
3. العقوبات والأصول: الموقف الإيراني كان “الكل أو لا شيء”. رفع كامل وشامل للعقوبات قبل أي توقيع، بينما حاول الفريق الأمريكي تقديم تخفيف مشروط وغامض، رُفض جملة وتفصيلاً.
4. تعويضات الحرب: إيران طرحت ملفاً قانونياً للمطالبة بتعويضات عن أضرار الغارات الإسرائيلية والأمريكية. الأمريكي، واجه هذا المطلب بصمت مطبق يعكس العجز عن الاعتراف بالمسؤولية القانونية.
5. تخصيب اليورانيوم: هنا اصطدمت الأطماع الأمريكية بالصلابة الإيرانية؛ واشنطن طالبت بوقف التخصيب فوراً، والرد كان: “استمرار التخصيب حق سيادي ولن نتراجع عنه تحت التهديد”.
6. البرنامج الصاروخي: بينما سعت واشنطن لتقليصه، أكد الوفد الإيراني أنه “خارج طاولة النقاش”، بوصفه الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الهجمات.
7. الوجود العسكري: المطلب الإيراني كان الانسحاب الأمريكي الكامل من المنطقة كشرط للأمن المستدام، وهو ما ترفضه واشنطن للحفاظ على بقاء حليفها الإسرائيلي.
ثانياً: الجبهة اللبنانية.. الميدان الذي أذلّ الدبلوماسية
تؤكد المعطيات أن الأمريكي “أقرّ ضمناً” بخسارة الخيار العسكري الإسرائيلي في لبنان. أدركت واشنطن أن الجيش الإسرائيلي استنزف قدراته دون تحقيق خرق استراتيجي، وفوجئ بشرط “لبناني التوقيع” في إسلام آباد؛ وُضع خط أحمر جديد؛ أي محاولة أمريكية للضغط على الحكومة اللبنانية أو دفعها لتجاوز الثوابت الوطنية، سيُقابل برد مزدوج: “رد ميداني غير مسبوق من الحزب” و”تصلب تفاوضي مطلق من إيران”. أدى هذا الأمر إلى تأجيل زيارة نواف سلام واقتصار مسار واشنطن على الشكليات التي تقودها ربيبة مروان حمادة -الذي يعرفه أهل الضاحية جيدًا منذ حرب ٢٠٠٦- ، لمحاولة الاستمرار في مكابرة الهروب للأمام. إذ يكابد الأمريكي للالتفاف على جدار إسلام آباد الصلب عبر قنوات خلفية في واشنطن، في محاولة لتأمين مخرج يحفظ وجه نتنياهو المنهك عسكرياً.
ثالثاً: الشخصنة السياسية.. عندما ترتبط الحرب بالكراسي.
المشهد من هذه الزاوية مستغرق في السوريالية، حيث يرتبط قرار الحرب والسلم بـ “المستقبل المهني” لثلاثة أفراد:
1. دونالد ترمب: دخل البيت الأبيض بوعود “إنهاء الحروب”، لكنه يجد نفسه الآن مضطراً إما لتقديم تنازل تاريخي لإيران (يكسر صورته كرجل قوي) أو الانزلاق لحرب شاملة تدمر برنامجه الاقتصادي.
2. جيه دي فانس: المهندس الغرّ الذي يكاد يفشل في أول اختبار ديبلوماسي كبير له في إسلام آباد؛ الفشل في انتزاع “نصر رخيص” يجعل مستقبله كخليفة لترمب في مهب الريح.
3. بنيامين نتنياهو: الحرب بالنسبة له هي “جهاز إنعاش”. توقف المدافع يعني ذهابه فوراً نحو لجان التحقيق ومن ثم السجن. هو يريد استمرار النزيف الأمريكي ليغطي على إخفاقه العسكري في لبنان وغزة.
بدا الفريق الأمريكي بشكل فاضح وكأنه ساعي بريد زائر على الطاولة؛ لا يملك استقلالية القرار بل ينتظر الضوء الأخضر من ترمب ونتنياهو في كل كلمة، مما أفقد المفاوضات جديتها وجعلها تبدو كمحاولة أمريكية لتحقيق ما عجزت عنه القوة القاتلة عبر أحاديث الطاولة.
رابعاً: “تأميم المواجهة”.. إعلان الجبهة الموحدة
هذا هو التطور الأبرز؛ إيران أبلغت واشنطن رسمياً: “لا فصل بينكم وبين الكيان الصهيوني”.
هذا يعني أن أي رصاصة تطلقها إسرائيل، سيكون الرد عليها شاملاً لكل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة – الخليج ضمنًا. واشنطن لم تعد وسيطاً يمكنه الاختباء خلف الحليف، بل أصبحت هدفاً أصيلاً في أي تصعيد قادم.
خامساً: الاقتصاد العالمي.. السير نحو “الكساد الأعظم”
هل يتحمل العالم جولة أخرى؟ مستحيل، لعدة أسباب هذه أبرزها اثنان:
– انفجار أسعار الطاقة: تحويل مضيق هرمز إلى ساحة اشتباك أو فرض رسوم عبور إيرانية يعني قفزة فورية لسعر برميل النفط فوق الـ200 دولار.
– التضخم القاتل: عودة الحرب تعني انهيار سلاسل الإمداد العالمية، مما سيؤدي لموجة غلاء في أمريكا وأوروبا تسقط حكومات وتثير اضطرابات مدنية، وهو ما يخشاه ترمب أكثر من أي شيء آخر.
في المحصلة، إسلام آباد كانت المحطة الأخيرة للدبلوماسية التي نعرفها. وبتنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينكسر العناد الأمريكي ويقر بالحقوق الإيرانية والمطالب اللبنانية، أو أن المنطقة والعالم يتجهان نحو مواجهة صفرية لن ترحم أحداً.
الأمريكي يحاول الآن بيع أوهام في واشنطن بعد فشله في إسلام آباد، لكن الحقائق على الأرض تقول: الميدان هو من يملي الشروط، وزمن الهدايا المجانية قد انتهى.