إيران: عندما تُدان الدولة لأنها لم تنكسر

| خضر رسلان |  كاتب وإعلامي لبناني

 

ليس توصيف إيران بـ«الدولة الفاشلة» أو «الرجل المريض» مجرد خطأ في التقدير، بل هو تعبير مكثّف عن فشلٍ في قراءة الوقائع، أو رغبةٍ واعية في القفز فوقها. فالدولة التي تصمد أكثر من أربعة عقود تحت حصار مركّب، سياسي واقتصادي ومالي وتقني، ولا تزال قائمة بوظائفها ومؤسساتها، لا تُقاس بمعايير الانطباع، بل بمعايير الدولة وقدرتها على الاستمرار وإنتاج القرار.

منذ عام 1979، دخلت إيران في اشتباك مفتوح مع النظام الدولي الغربي، ليس لأنها دولة خارجة عن النظام، بل لأنها رفضت أن تكون دولة داخله بشروطه. شعار «لا شرقية ولا غربية» لم يكن زينة خطابية، بل قاعدة سياسية دفعت طهران ثمنها باهظًا. كان بالإمكان، في محطات كثيرة، عقد تسويات كبرى، رفع العقوبات، وإعادة إدماج إيران في الاقتصاد العالمي مقابل تعديل جوهري في القرار السيادي. لكن خيار الاستقلال، بكل كلفته، بقي هو الحاكم.

اقتصاديًا، لا أحد ينكر حجم الضغوط التي أصابت المجتمع الإيراني: تضخم، تراجع العملة، اختناقات معيشية. غير أن ما يُغفل عمدًا هو أن هذه الضغوط لم تُسقط الدولة، ولم تُفكك مؤسساتها، ولم تُحوّلها إلى كيان عاجز عن إدارة شؤون أكثر من 85 مليون مواطن. بل على العكس، أُجبرت إيران على إعادة تشكيل اقتصادها، والذهاب نحو تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير صناعات وطنية، في ظروف كانت كفيلة بإسقاط دول أقل استهدافًا.

في المجال العلمي، تظهر مفارقة لافتة: دولة محاصَرة، ومقيّدة الوصول إلى التكنولوجيا، تنجح في تحقيق تقدم نوعي في مجالات حساسة مثل تقنيات النانو، والعلوم الطبية، والهندسية، والطاقة النووية السلمية. هذا التقدم لم يكن استعراضيًا، بل تحوّل إلى عنصر قوة حقيقي، ورافعة لتعويض جوانب من العزلة المفروضة.

أما في البنى التحتية، فإن الحديث عن «دولة مشلولة» يتهاوى أمام الوقائع: شبكات طرق، أنفاق، جسور، تطوير مستمر في قطاعي الطاقة والنقل. ليست هذه إنجازات مثالية، لكنها كافية لإثبات أن الدولة تخطط وتنفّذ، لا تنتظر الانهيار.

في القطاع الصحي، شكّلت الصناعة الدوائية المحلية أحد أبرز إنجازات مرحلة العقوبات. قدرة إيران على إنتاج نسبة كبيرة من أدويتها، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية، لم تكن تفصيلًا تقنيًا، بل مسألة سيادة وأمن اجتماعي، خصوصًا في ظل عقوبات لم تتورّع عن المساس حتى بالقطاعات الإنسانية.

اجتماعيًا، حافظت الدولة على منظومة دعم واسعة للمحروقات والكهرباء والخبز والإنترنت. قد تكون هذه السياسات محل نقاش اقتصادي مشروع، لكنها في سياق الحصار تعكس خيارًا سياسيًا واضحًا: حماية الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي، وعدم ترك المجتمع يواجه الضغوط وحده.

في السياسة الخارجية، تبدو إيران من أكثر الدول استعدادًا لدفع ثمن مواقفها. فدعمها للقضية الفلسطينية، ووقوفها إلى جانب حركات التحرر، لم يكن بلا بدائل. العروض برفع العقوبات وتخفيف العزلة لم تكن وهمًا، لكن طهران اختارت عدم المقايضة. سواء اتُّفق مع هذا الخيار أم لا، فهو قرار سياسي واعٍ، لا نتيجة عجز أو عزلة قسرية.

لا يعني كل ما سبق أن التجربة الإيرانية بلا أخطاء. مشكلات الإدارة، والفساد، والتفاوت الاجتماعي، حاضرة، وهي تحديات تعترف بها الدولة نفسها لكنها ليست استثناءً إيرانيًا، بل سمات تعاني منها دول كثيرة، بما فيها دول تُصنَّف ضمن الأكثر تقدمًا واستقرارًا. غير أن تعميم هذه الإشكالات وتحويلها إلى دليل على «فشل الدولة» هو تبسيط مخل، تتورط فيه قراءات سياسية أكثر مما تستند إلى تحليل واقعي.

في الخلاصة، إيران ليست دولة مثالية، لكنها أيضًا ليست دولة فاشلة. هي دولة خاضت اختبار الحصار الطويل، وخرجت منه مثقلة بالأعباء، لكنها متماسكة. وفي عالم يُكافئ الانصياع ويعاقب الاستقلال، يبدو أن جريمة إيران الأساسية لم تكن الفشل، بل أنها لم تسقط.