حرب ممكنة… لكن كلفتها تقيّد القرار

بقلم الاعلامي خضر رسلان

تصعيد محسوب بين واشنطن وطهران يبقي المواجهة في دائرة الردع لا الانفجار في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت التهديدات ضد إيران من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل”، ما أعاد طرح سؤال بالغ الحساسية: هل المنطقة على أعتاب حرب فعلية، أم أننا أمام جولة جديدة من لعبة الردع المتبادل؟ المؤشرات الحالية تشير إلى أن المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد خيارين تقليديين؛ حرب أو سلام. ما نراه اليوم هو حافة هاوية مضبوطة، حيث يتم توظيف التصعيد كسلاح تفاوضي وسياسي من قبل الأطراف المهددة، مع الحرص على تجنّب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

الخطاب الإيراني في هذه المرحلة حاسم وواضح: أي اعتداء على البلاد لن يمر دون رد قاس، وأن الرد لن يقتصر على الجغرافيا المباشرة للعدوان. الرسائل الموجهة للخصوم الخارجيين تهدف إلى تعزيز الردع وحماية السيادة الوطنية، لا إطلاق تهديدات هجومية. كما تؤدي وظيفة داخلية مهمة في تعزيز ثقة الجمهور الإيراني في قدرة الدولة على حماية سيادتها وضمان وحدة أراضيها. الردع هنا ليس مجرد شعارات، بل استراتيجية تكاملية تعكس التوازن النفسي والسياسي قبل أي مواجهة فعلية.

إضافة إلى ذلك، تؤكد إيران أن أي حسابات لتقاسم المسؤولية أو أي ضغوط مباشرة من “إسرائيل” أو الولايات المتحدة لن تحد من نطاق ردها إذا تعرضت للهجوم. أي هجوم، مهما كانت الجهة المنفذة، سيُعامل من خلال رد متناسب وعلى نطاق واسع، يعكس فلسفة الردع الشامل المطبقة من طهران، والتي تراعي التاريخ الطويل للمواجهة مع القوى الكبرى.

على الجانب الآخر، يبدو الطرفان المهددان – الولايات المتحدة و”إسرائيل” – حذرين في اتخاذ خطوات مباشرة. الحرب المباشرة تحمل تكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية ضخمة، خصوصًا في ظل حساسية أسواق الطاقة العالمية والممرات البحرية الحيوية. لذلك، يظل الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لهم هو الضغط المركب: رسائل عسكرية محدودة، عقوبات اقتصادية مستمرة، وتحركات دبلوماسية محسوبة، تسمح بالاحتفاظ بالقدرة على التأثير على إيران دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

السيناريو الأكثر احتمالًا، في حال تعثرت المفاوضات، هو تصعيد محدود أو ضربات محددة عبر “إسرائيل” لاختبار مدى رد إيران، مع إبقاء الردود في إطار محكوم لتفادي مواجهة شاملة. ومع ذلك، هذا الخيار محفوف بمخاطر سوء التقدير؛ التاريخ يظهر أن الحروب الكبرى غالبًا ما تبدأ بخطأ تكتيكي غير متوقع، لا بقرار استراتيجي معلن.

حتى الآن، المؤشرات تشير إلى استمرار لعبة التوازن: تهديد مقابل ردع، ومفاوضات تُدار تحت سقف التصعيد لا خارجه. كل طرف يحذر من الحرب المباشرة، ويدرك كلفة أي خطوة غير محسوبة، ما يجعل المواجهة الشاملة أقل احتمالًا، ويجعل استمرار الضغط المتبادل والتصعيد المحسوب الخيار الأكثر واقعية في المرحلة القادمة.

الخلاصة أن المنطقة لا تبدو على أعتاب حرب شاملة، لكنها أيضًا ليست مستقرة بالكامل. إيران مهددة، لكنها توازن بين الردع والدبلوماسية بذكاء، وتستخدم حافة الهاوية كسلاح سياسي. كل طرف يحافظ على خياراته، ويوازن بين القوة والسياسة، ما يجعل المشهد هشًا ومعقدًا، لكنه لا يشير إلى انفجار وشيك.

باختصار، المرحلة المقبلة ستشهد استمرار لعبة التوازن الدقيق: رسائل متبادلة، ضغوط مستمرة، واستعراض قوة محسوب، مع بقاء الباب مفتوحًا للمفاوضات والخيارات الدبلوماسية. أي تصعيد غير محسوب قد يغير قواعد اللعبة، لكن الواقع الحالي يشير إلى أن جميع الأطراف تدرك التكاليف العالية لأي مواجهة مباشرة، وهو ما يجعل الحرب خيارًا محدودًا وغير مريح على الإطلاق.

المشهد الحالي يؤكد أن لعبة الردع والتفاوض بين واشنطن وطهران هي الأكثر حذرًا وتعقيدًا منذ سنوات، وأن أي طرف يفكر في التحرك المباشر يجب أن يزن التكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية بعناية فائقة. لذا، فإن المنطقة ستظل في هذا الفضاء الرمادي، حيث إيران مهددة، لكن الحرب المباشرة تبقى خيارًا ثانويًا غير جذاب لأي طرف.