لبنان بين الدّيبلوماسيّة المنبطحة والوقحة

| شوقي عواضة | إعلامي وكاتب سياسي

 

في كتابه (رسالتان في الحكم) أرسى الفيلسوف والمفكّر السّياسي الإنجليزيّ جون لوك أحد أهمّ قواعد علم السّياسة التي تقول (إنّ الوظيفة العليا للدّولة هي حماية الثّروة والحريّة، ويجب على الشّعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته). أمّا الأديب والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو فقد حدّد أسس النّظام السّياسيّ الشّرعي في كتابه العقد الاجتماعي من خلال اعتباره أنّ (السّيادة تنتمي دائماً للشّعب، ولا يمكن تفويضها إلّا للخير العام، وأنّ الشّعب هو مصدر كلّ سلطة شرعيّة)، وهذا يعني أنّ أيّ حكومة هي وكيلٌ عن الشّعب تعمل لإنجاز مصالحه وتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان حقوق الشّعب وحمايته وتحقيق الأمن الدّاخلي والخارجيّ وضمان حرّية التّعبير وبناء الثّقة مع الشّعب واتخاذ قراراتٍ استراتيجيّةٍ تحمي الدولة وتعزّز قوّتها وتفرض سيادتها.

أمّا في لبنان فلم تجد حكومة نواف سلام هذه القواعد صالحة للعمل بها مستمسكة بالقانون والدّستور والقسم، وهي أول من خرق القانون وهشّمت الدّستور وشوّهت القسم. ففي لبنان تتخذ الحكومة ديبلوماسيّة الانبطاح منهجاً ومسلكاً في مقابل الدّيبلوماسيّة الأميركيّة الوقحة، بالرّغم من أنّ رئيسها الدّيبلوماسي المخضرم السّفير نواف سلام الذي شغل منصب الممثّل الدّائم للبنان في الأمم المتحدة على مدى عشر سنوات يدرك أنّ الثّعلب الأميركي لم ولن يكون وسيطاً في أيّة قضية تتعلّق بكيان العدوّ الاسرائيلي بل هو شريكٌ كاملٌ في الاحتلال والإبادة والعدوان،

وما يدركه أكثر الرّئيس نواف سلام الذي ترأس مجلس الأمن وشغل منصب نائب رئيس الجمعيّة العامّة أنّ كلّ قرارات الأمم المتحدة التي لم تحرّر لنا أرضاً ولم تُعِد أسيراً ولم تردع عدواً، بل إنّ كلّ هذه القرارات لا تساوي قيمة الحبر الذي خطّها، والحقيقة الكبرى التي يوقنها القاضي اللّبناني والعربيّ الأوّل نواف سلام الذي شغل منصب رئيس محكمة العدل الدوليّة أنّ كلّ قرارات محكمتي العدل والمحكمة الجنائيّة التي صدرت منذ عام 2000 سواء في قضية الجدار العنصريّ العازل في الضّفة الغربية أو حول حدود لبنان عام 2006 أو تحقيقات العدوان على غزّة سابقاً وتحقيقات جرائم الحرب التي ارتكبها العدو الإسرائيلي في فلسطين عام 2021 وصولاً إلى دعوى جنوب أفريقيا ضدّ العدوّ الإسرائيلي عام 2024 بخصوص الإبادة الجماعيّة في غزّة وإصدار مذكرات توقيف وقرارات قضائيّة ملزمة بحقّ رئيس حكومة العدوّ الإرهابي بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق الإرهابي يوآف غالانت ومسؤولين صهاينة آخرين العام المنصرم صادق عليها القاضي الدّولي نواف سلام وقضاة المحكمة الدوليّة دون أن ينفّذ أيّ قرار منها. فكلّ تلك التّحقيقات والمحاكمات لم تحقّق عدالة ولم تردع عدوانيّة الكيان الصّهيوني الإرهابيّ بل زادته إرهاباً وإصراراً على استمراره بحرب الإبادة وشرعنتها بحقّ الفلسطينيّين، وأيّ عدالة لمحكمةٍ تساوي بين القاتل والمقتول وأيّ قانون يحاكم الظّالم والمظلوم بعدما حاكمت تلك المحاكم وأدانت أصحاب الأرض بتهمة الإرهاب بإصدارها مذكرات توقيف بحقّ الشّهداء يحيى السنوار ومحمد الضّيف والدّكتور اسماعيل هنية، وساوَتهم بالمحتلّ والمغتصب والقاتل الإرهابي.

أيّ معجزة تلك التي يحدّثنا عنها نواف سلام الخبير بدهاليز السّياسات الأميركيّة وصناعة قرارتها، وأيّة وعود أميركيّة سينفذها البيت الأبيض بعد كلّ القرارات التي لم تفِ بها وبعدما ثبت أنّ المؤسّسات الدّولية ليست منحازةً للعدوّ الاسرائيليّ وحسب بل هي شريكٌ في كلّ جرائمه، فمن يحاصر غزّة اليوم هي سياسة التّراخي بتطبيق القانون الدولي، ومن يشجّع العدوّ على تصعيد عدوانه على لبنان وكشفه أمام العدوّ هي ديبلوماسيّة الانبطاح والتملّق والانسياق والتبعيّة والرضوخ، وتبنّي الأوراق الأميركيّة والسّعوديّة التي هي ليست إلّا أوراقاً إسرائيليّة بامتياز تُرجمت من العبريّة إلى العربيّة والإنكليزيّة، وحملها (المفوّض السامي) السّعودي والأميركي إلى وطن التّشريع والحريّات والدّستور ظنّاً منه أنّ لبنان ولاية أميركيّة أو إمارة سعوديّة كلّ ما عليه تقديم الطاعة والولاء والبيعة لصاحب السّمو الذي يحكم البلاد أباً عن جدّ بلا دستور ولا قانون.

والسّؤال هنا: أليس من الأجدى ليزيد بن فرحان أن يمسح عار الهزيمة اليمنيّة عن مملكته بعد عدوان تسع سنوات حطمت فيها القوّات المسلّحة اليمنيّة هيبتهم مع حلفائهم؟ هل يظنّ يزيد بن فرحان أنّ لبنان العصيّ على أسياده الأميركيّين والإسرائيليّين سيكون لقمةً سائغةً في فم ابن سلمان؟ من الجهل أن يعتقد ذلك لأنّه لم يقرأ تاريخ لبنان وبالأخصّ تاريخ جبل عامل العصيّ على الجبابرة عبر التاريخ، هذا الجبل الأشمّ الذي وصفه العلّامة السّيد عبد الحسين شرف الدين برسالته عام 1948 لرئيس الجمهوريّة بشارة الخوري بالشّريك الخاسر مع الدّولة يقوم بما عليه من واجباتٍ ولا يُعطى ما له من حقوق، وبالرّغم من ذلك قاتل العثمانيّ والفرنسي وانتصر وواجه أعتى قوّة في هذا العصر وانتصر، ولن يثنيه عن هزيمة المطبّعين ايّ شيء مهما بلغت التّضحيات، فبأسنا العاملي من أصل يماني ولعلّ ملوك التّطبيع يفقهون ما البأس اليماني، وما قولنا إلّا قول سيدتنا زينب ليزيد بن معاوية: “كِد كيدك، واسعَ سعيك، وناصِب جُهدَك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيَّامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظّالمين”…