لقاء تحت زخات المطر

| محمد حيدر |

 

– وشاح وسنفونية…

أهواه…لا تسألوني لماذا…ربما لأنه رجل يشبهني الى حد التعب…ربما لأنو عاصف وممطر كالشهر الذي ولدت به…كثيرون يهربون من العواصف والأعاصير ويكرهون البرد…أما أنا…فأنا والبرد تخاصمنا منذ عرفته…أصبح هو وشاحي الدافئ وسترتي التي تقيني من كل الأنواء…أعشق صخب الشتاء وعواصفه،رعوده وبروقه،أشجاره التي تصارع الرياح من أجل البقاء،أمواجه المتكسرة دوما على صخر الحياة بكل عناد وقوة…ولدت في فصل الشتاء لكن وجوده جعل حياتي ربيعا دائما وصيفا مليئا بالخصب وأصبح قمرا يزين كل الليالي…قلت انه يشبهني الى حد التعب…أجل…هل تسعفني كلماتي لأضع وصفا له؟ربما…انه الشارد دوما في بحر من الأحاسيس،المتعطش باستمرار لنفحة مشاعر رقراقة كعسل عينيه….قلبه كتاب مغلق لمن يجهل لغة الحياة الجميلة بتعقيداتها،ومفتوح لمن يهوى فك الشيفرات واطلاق العنان لهمس النجوى وبوح الروح…وأنا الشاردة على رصيف حياته ومعلقة بين عينيه وقلبه…صاخب هو كشهر ميلادي ومغامر مجنون مثلي…ذات مساء كنت أقف عند زجاج نافذتي أراقب قطرات المطر وهي تتدفق بقوة وتحدث أصواتا جميلة…

موسيقى المطر مع سيمفونية باليه”بحيرة البجع” للموسيقي الروسي تشايكوفسكي أخذاني الى دنيا ساحرة…وكأن قطرات المطر تسبيحات من البلور تغلف كل حبة منها أربع حروف:أحبه…وجاء صوته عبر الهاتف يدعوني لنزهة تحت زخات المطر…أحسست بقلبي يقفز بخفة راقصة الباليه ويدور بخفة في كل زوايا الغرفة…لحظات قليلة تفصلني عن موعدي مع القمر…
– أعاصير الأحاسيس الهادئة…

إنها زخات مطر..تعصف بداخلي وتتساقط حبيباتها ما بين الشريان والنجيع وتحدث أصوات كألحان الصباح الهادئ،إنها أوقات باردة المناخ لكن عصف أعاصير المشاعر تدفئ المكان وتجعله صيفا ملتهبا رغم البرد القارس .
أنا وهي نتواعد لأول مرة والموعد مقدس. ..لم نشعر بما يدور حولنا ولم نأبه بما يتساقط علينا بل لم نكن ندري إن كانت زخات مطر أم أنها حبيبات الندى.. أجل حبيبات الندى الوردي التي تبعث في النفس ألحانا شاعرية…إنها الروح التي لطالما بحثت عنها في تاريخ ميلادي وعلى مدار الليال والسنين ، في مطلع الفصول بين نسائم أيلول وصقيع الشتاء وبين إشراقة نوار ومع اصفرار سنابل حنطة الصيف ، أجل وجدتها في يوم ميلادها في شهر يعصف برياح الشتاء.وسرعان ما تواعدنا .. وكان اللقاء…لقاء جمعنا تحت زخات المطر.

لقاء فيه احتباس الأنفاس والصمت الممتلئ ضجيجا .. كان الهمس سيد الكلام وكان المطر سيد التواصل .. على وقع المطر ترنحت قلوبنا وتركت لزخات المطر المجال كي تتلاحم مع البخار المتصاعد من بين الشفاه، يخرج مع الأنفاس… لغة لا يجيد قراءتها إلا من يسكنه إعصار عاصف بالمشاعر لغة الشوق في محضر العشق…لغة الشوق في محضر الاحساس…

كانت المسافات تطويها حرارة الأشواق وكانت الساعة تلجمها دقات القلوب حيث تسير ببطئ شديد وكانت اللهفة تتكدس في غمرات العشق كدواوين الشعر على ألسنة الشعراء.. وصلنا في وقت واحد… كان وجهها كإبريق من فضة يزهو بتعرقه حيث يجذب الظامئ في وقت شدة العطش.. كانت قطرات من زخات المطر تجعل في تعرقه لوحة ماسية.. حسنها الفتان تندى على وقع زخات شهر شباط حيث بدا على ثغرها كأنه دالية متدلية بعناقيد موسم وافر … وفي وجنتيها ينبت أقحوان المروج بوقت انبلاج الفجر حيث يحط الندى أغلاله فوق الأزاهير .. وفي مقلتيها شعاع البدر في تمامه تشعان نورا يبسط من ذوائبه خيوطا على الدوالي ويظهر على شكل تتقاطر منه خمرة صافية اللون لذيذة المذاق وشهية المنظر…

اقتربت منها وأنا أرتعش من شدة البرد وجسدي المبلل ينتفض.. لا أدري هل كان خجلا أم من شدة اللهفة والإشتياق؟ كانت قد دنت مني وعلى كتفيها معطف كاد يرهقها من ثقل زخات المطر .. تنظر إلي غير آبهة بما يدور حولنا من عوامل طبيعية غير مألوفة.. عواصف ، رياح وغزارة أمطار …

– الفصول الأربعة…

هل جرب أحدكم أحاديث المطر…أجل…للمطر حكايات موشحة بألف دقة قلب…ولالتقاء العيون وبريقهم موشحات لها رونق خاص…
وفجأة استبدل الصمت بلغة المشاعر الملتهبة تحت برودة المطر:
-حبك يدهشني يا حبيبتي…فأنا منذ زمن أبحث عن امرأة مثلك….تتقلد الكواكب وتسقط مع المطر…تنزع الآلام وتحقن الحب في الوريد…أحتاج لامرأة مثلك تمطر مع الشتاء وتنام مع الصيف تغادر مع الخريف وتصحو كالربيع!
-أنت نغم في قلبي تدهشني رقته…عشت معك في دنيا لم يألفها الناس…دنيا صنعتها بنفسي وغزلت أركانها بياقوت من خلايا روحي
-حبك يدهشني…أقف وقلبي بين يدي وفجأة يطير اليك…أي سر تملكين حبيبني؟في غموض شخصيتك ورقة حروفك أثرتي عاصفة الهوى بقلبي منذ عرفتك
-أتدري أين يكمن السحر؟في شهد عينيك،في همسك ونبض قلبك
-حبك يدهشني وأتساءل:كيف فعلتي هذا ؟فسري لي يا ملاكي…فقد آن الأوان أن تفسري سر دهشتي
-ستظل الدهشة تأخذنا لندورفي دوائر العشق اللانهائي ونتوه ونتمنى ألا نعود…سر البقاء في حنيننا وشوقنا الذي لا حدود له
-أي امرأة أنت…أهمس معها مترنما في صمت فتندى أوصالي ويطير قلبي من بين يدي في لذة وبهجة…يطير ويمضي وينثر عبيرا حولك وهو غارق في حبه…يدهشني حبك أميرتي
-أنا امرأة صنعها حبك…همساتك الهواء الذي تستنشقه…اسمها أنغام ترددها شفتاك…أنا حياة قلبك وستظل الدهشة تأسرنا…فالحب تحليه الدهشة
– النواة الأزلية شجرة خالدة…
ولأن دهشتي لا حدود لها…مددت كفي تحت رذاذ المطر وأخذت أحاسيسي تطير كما الفراشات وتتدفق كعدد كل قطرة تلتقطها…أردت أن أخبره أنني أحبه بعدد كل تلك القطرات…أردت أن أقول أشياء كثيرة وقفت على لساني وترنّم بها قلبي المتخم بحبه…ووجدتني أودعه وأمضي بسرعة وأترك الروح حيث يقف وأعود أدراجي الى غرفتي لأقف مجددا أمام نافذتي…
أيها الرجل الذي يشبهني الى حد التعب…من بين عينيك نمت أشواقٌ أرسلتها لي رسولاً، زرعت بذورها بحبّ بين نفحات صدري المتخم باسمك، الذي انغرس فيّ وصار شجرة عمرها آلاف السنين…
فمن بحر حبّك، تلتقط روحي كل مكامن العشق الخافي والمُعلن…
هو ذا حبيبي الجميل..والذي انتظرته قبل أن يولد..وقفت أحرس رحم أمه، أدفئه بحناني، وأعجن أنفاسي بمسامات جلده وهو ينمو ويكبر مثل عنقود، قد تعلّق بأدق غصن في قلبي الممتلئ به !
هذا هو زمان الحبّ،بكلّ تفاصيل جنونه، زمان تفتحت فيه أبواب قلبي من أجل مخلوق اسمه “أنت”…
أنت ثغر الحبّ، بل حب الحبّ، تنمو نسائمك على مواسم عمري، لتتوّج شعّري المنثور، بعبق أنفاسك الياسمينية المنشأ…
أيها المغرد على أعشاش قلبي الأخضر، أيها النفيس بروحك، الجميل في كلّ شيء، وكأن الله رسمك من أجل أن أعلّقك لوحة من الأمان على مسارات عمري الذي أدامه الله من أجل أن ألتقيك وأحبك في كلّ يوم أكثر..
هل تراها تكفيك حروف، تستفيق وتغفو على أوتار معزوفة منك برويّة، وكأنك تنطق في كلّ ثغرة منها بصوت عال.. أحبك يا صغيرتي، فنامي بين أحضان كفيّ، مثل طفلة دللها شوقي، وكوني لعمري أجمل النساء بهذا الدلال..
نعم، سأغفو على هذا الحلم الذي أسكنتني فيه..وستبقى أنفاسك تعارك الكون لتصلني رغم البعد ، رغم اللّوم ورغم رغم الأيام..!
أحبك…