ماذا تفعل إيران بموازاة التفاوض والجهوزية للقتال؟

| محمد كركي/ باقر | خبير اتصال

_درسٌ في الجغرافيا المقاوِمة، هل تهزم سكة الحديد حاملة الطائرات؟_

دعونا نطفئ شاشات الأخبار العاجلة قليلاً. إنسوا الوجوه المتجهمة -أو الضاحكة- للدبلوماسيين في فنادق الخليج والأناضول، وتجاهلوا ضجيج التصريحات النارية المتبادلة بين طهران وواشنطن، ما نراه على الشاشة هو العرض المسرحي، أو “ما يُسمَحُ بعرضِه” حتى أكون أكثر دقّة، أما ما يحدث في تلك البقعة الطينية المنسية شمال إيران فهو “إعادة بناء خشبة المسرح” من جديد، خشبةٌ إن أنجِزَت، ستغيّر قواعد اللعبة للأبد… من جيلان.
تخيل العالم الذي نعيش فيه كأنه رقعة شطرنج عملاقة، أو خريطة في لعبة – مثل ريسك أو كاتان. لقرون طويلة، كان “الغرب” (أمريكا وبريطانيا) يسيطر على البحار. لماذا هذا مهم؟ لأن 90% من كل ما تأكله، تلبسه، أو تستخدمه ينتقل عبر البحر. من يمسك بمفاتيح البحر، يمسك برقبة العالم. هذه المفاتيح نسميها “المضائق”: قناة السويس، مضيق هرمز، باب المندب، ومضيق ملقا. أمريكا تضع بوارجها عند هذه الأبواب، وتقول للعالم: “ادفعوا بالدولار، وأطيعوني بالسياسة، وإلا أغلقت الباب على وجوهكم”.

*ما قصة الـ 162 كيلومتر؟*

روسيا دولة ضخمة، “قلب العالم” كما يسميها الجغرافيون، لكنها محبوسة في الجليد شمالاً، ومحاصرة بالناتو غرباً. إيران، حليفتها في المصير، تقع في الجنوب، وتطل على المياه الدافئة (الخليج والمحيط الهندي). المشكلة كانت دائماً أن الطريق بينهما غير مكتمل؛ مثل جارين بينهما سور عالٍ لا يمكن عبوره إلا بالدوران حول المدينة كلها.

ما حدث مؤخراً هو أن الروس والإيرانيين قرروا هدم السور، خط سكة حديد “رشت-آستارا” هو المطرقة التي تهدم هذا العزل. حين أعلن مسؤولٌ إيرانيّ عاديّ هذا الخبر، لم يكن هو نفسه يدري مدى أهميّة ما يقول؛ لكنه أبلغ العالم كله أن الإيراني أنجزَ استملاك وتجهيز 110 كيلومترات من أصل 162 كيلومتر من المساحة اللازمة لإنجاز القطعة الأخيرة من المشروع.
لنشرح الأمر بمنطق “اللوجستيات” البسيط: بدلاً من أن ترسل روسيا بضائعها في رحلة تدوم 40 يوماً، تدور فيها حول أوروبا، وتعبر قناة السويس (تحت رحمة الغرب)، ثم تدور حول الجزيرة العربية لتصل للهند، ستضع بضائعها على قطار. هذا القطار ينطلق من موسكو، يخترق إيران رأسياً، ويصل للميناء الجنوبي في 15 يوماً فقط.
يرعب هذا السيناريو المفاوض الأمريكي الجالس الآن في عمان، لأنه يجرد “العقوبات” من معناها. العقوبات الأمريكية هي سلاح مالي يمنعك من استخدام البنوك والسفن الغربية. لكن، إذا كانت البضائع تنتقل عبر سكة حديد تملكها إيران وروسيا، وتُدفع رسومها بعملات محلية، وتنتقل براً بعيداً عن البحرية الأمريكية، فأين ستفرض أمريكا عقوباتها؟ هل ستقصف السكة؟ هذا إعلان حرب عالمية. هل ستمنع القطار؟ لا تملك ولاية عليه. هنا تدرك واشنطن أن سلاحها المفضل (القرصنة الاقتصادية) قد تحول إلى بندقية بلا رصاص.

*ما سر التوقيت غير المنطقي للمفاوضات؟*

بينما يُطحن العظم في غزة وجنوب لبنان، وبينما تشتعل الجبهات، يهرع الوسطاء إلى مسقط والدوحة واسطنبول. الغرب يريد صفقة “الآن”، قبل أن يكتمل الخط. إنهم يريدون تقييد إيران باتفاقيات تكبل يدها وتمنعها من التحول إلى “الرئة التنفسية” للشرق. الموقف الروسي الأخير، الذي بدا أكثر انخراطاً وتشدداً في دعم طهران، لم ينبع من عاطفة، بل من حاجة وجودية. بوتين يدرك أن بقاء روسيا كقوة عظمى يعتمد على نجاح إيران في إتمام هذا الممر. إذا سقطت إيران أو خضعت، عادت روسيا لتختنق في الجليد.

المسألة الإيرانية اليوم لم تعد مجرد ملف نووي. الغرب لا يخاف من “قنبلة” قد لا تصنعها إيران أبداً، بقدر ما يخاف من “ممر” تصنعه إيران الآن بالفعل. هذا الممر سيجعل الهند (العملاق الصاعد) مرتبطة عضوياً بروسيا وإيران. تخيل مثلثاً أضلاعه: الطاقة الروسية، العمالة الهندية، والموقع الجغرافي الإيراني. هذا المثلث، إذا اكتمل ربطه بالحديد، سيجعل أوروبا أقرب إلى “زائدة دودية” في غرب آسيا، وسيجعل من أمريكا -بالنسبة لهذا الثالوث- مجرد جزيرة بعيدة ومعزولة وراء المحيط.
حين تقرأ عن قصف أو اغتيال أو ضغط دبلوماسي في فيينا أو نيويورك، أو عن ضغط شديد يجعل الهند -التي قبلت أن تكون تابعةً للغرب- تخاف من عقوبات أمريكا وتتوقف عن تمويل مرفأ “تشابهار” الإيرانيّ. تذكر أن الهدف الحقيقي ليس فقط ما يُعلن، بل يستهدف في جزء كبير منه تعطيل الورشة التي تعمل بصمت في شمال إيران. الغرب يحاول شراء الوقت، أو إشعال النار في المنطقة، لجعل الاستثمار في هذا الخط غير ممكن، لكن الرد جاء من جيلان قبل أسبوع تقريبًا: “لقد أنجزنا الثلثين”.

*درسٌ جذريٌّ في الجغرافيا السّياسية*

الدول لا تزن قوتها بعدد اللايكات على منشورات زعمائها، بل بقدرتها على شق الطرق التي لا يستطيع العدو إغلاقها. “رشت-آستارا” ليس مجرد سكة حديد للنقل؛ إنه أنبوب تنفس لعالم جديد يرفض أن يضع الغرب يده على قصبته الهوائية. إنه باختصار، التطبيق العملي لمبدأ يقول: إن أغلقوا البحر، سنحفر بأظافرنا الأرض.

في السياسة كما في الفيزياء، القوة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، بل تنتقل من “البحر” إلى “البر”. من يقرأ الخارطة بعين التاجر يرى بضائع، ومن يقرأها بعين الجنرال يرى خطوط إمداد، أما من يقرأها بعين التاريخ، فيرى نهاية عصر وبداية آخر، تُكتب فصوله الآن بصرير عجلات القطارات لا بخطب المنابر.