مضيق هرمز: حيث تنكشف حدود القوة الأميركية

د. محمد حسن سعد – رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية وعضو الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية

في قلب الضجيج الدعائي الذي يصدر عن البيت الأبيض منذ اندلاع الحرب العدوانية الأميركية-الإسرائيلية على إيران، تتكشف مفارقة فاقعة تكاد تختصر طبيعة هذه الإدارة: انتصارات معلنة في الخطاب، وهزيمة إستراتيجية في الواقع. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب خرج أكثر من مرة ليعلن أن الولايات المتحدة “دمّرت 100٪ من القدرات العسكرية الإيرانية”، وأن البحرية الإيرانية سحقت ولم تعد قادرة على تهديد الملاحة في الخليج أو إغلاق مضيق هرمز. لكن ما إن تمر ساعات قليلة على هذا الإعلان حتى يعود الرجل نفسه ليطلب من العالم أن يرسل أساطيله البحرية لحماية الممر نفسه الذي قال إنه أصبح آمناً بالفعل. هذه المفارقة ليست مجرد زلة سياسية، إنها تعبير صارخ عن التخبط الإستراتيجي الذي يميز إدارة الحرب الحالية.

لقد أعلن ترامب في منشورات وتصريحات علنية أن الولايات المتحدة “دمّرت بالكامل القدرة العسكرية الإيرانية”، وأن القوات الأميركية “تغرق القوارب الإيرانية وتضرب الشاطئ الإيراني بلا توقف”. ومع ذلك اعترف في الوقت نفسه بأن إيران ما تزال قادرة على “إرسال طائرة مسيّرة أو زرع لغم أو إطلاق صاروخ قصير المدى في المضيق”، أي أنها ما تزال تمتلك الأدوات الأساسية لتعطيل الملاحة في أهم شريان للطاقة في العالم. هذه الاعترافات المتناقضة في الخطاب نفسه تكشف الحقيقة التي تحاول الدعاية السياسية إخفاءها: إيران لم تُهزم إستراتيجياً، بل ما زالت تحتفظ بأداة الردع الأهم في المنطقة.
الوقائع الميدانية تؤكد ذلك. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، لم يعد ممراً بحرياً عادياً، بل أصبح ورقة سيادية تمسك بها طهران بقبضة محكمة. إيران لا تغلق المضيق بالكامل، بل تتحكم بإيقاعه: تسمح لبعض السفن بالعبور، وتمنع أخرى، وتلوّح بالألغام والطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية كأدوات ضغط دائم. حتى التقارير الغربية تشير إلى أن إعادة فتح الممر بشكل كامل قد تستغرق شهوراً بسبب خطر الألغام البحرية والتهديدات الإيرانية المستمرة، وهو ما يوضح أن السيطرة الفعلية على الممر لا تزال موضع نزاع وأن التفوق الأميركي لم يترجم إلى سيطرة بحرية مطلقة.
بل إن المشهد أصبح أكثر غرابة عندما انتقل ترامب من إعلان النصر إلى الاستغاثة بحلف دولي. فقد دعا صراحة دولاً مثل بريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والصين إلى إرسال سفن حربية للمشاركة في تأمين المضيق، مؤكداً أن “العديد من الدول سترسل سفناً حربية للحفاظ على المضيق مفتوحاً وآمناً”. والسؤال البديهي هنا: إذا كانت البحرية الإيرانية قد دُمّرت بالكامل كما يدّعي، فلماذا يحتاج الرئيس الأميركي إلى تحالف بحري عالمي لإبقاء المضيق مفتوحاً؟

الإجابة تكمن في الفجوة الهائلة بين الدعاية السياسية والواقع العسكري، فالحروب الحديثة لا تُحسم بإغراق سفن وزوارق أو قصف قواعد، بل بالسيطرة على البيئة الإستراتيجية. وإيران تدرك هذه الحقيقة جيداً. فهي لا تحتاج إلى مواجهة الأسطول الأميركي في معركة تقليدية، بل يكفيها أن تجعل المرور في المضيق محفوفاً بالمخاطر، وأن تبقي السوق النفطية في حالة ذعر دائم. بضعة ألغام بحرية، أو هجوم بطائرة مسيّرة على ناقلة نفط، كفيلة بأن تعطل حركة التجارة العالمية وتدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع الجنوني.
بهذا المعنى، فإن مضيق هرمز تحوّل إلى مسرح اختبار لفشل العقيدة العسكرية الأميركية في الحروب غير المتكافئة. الولايات المتحدة تملك أعظم أسطول بحري في العالم، لكنها تواجه خصماً لا يسعى إلى السيطرة على البحر بقدر ما يسعى إلى جعل البحر غير آمن للجميع. وهنا يصبح التفوق التكنولوجي أقل أهمية من القدرة على تعطيل النظام العالمي نفسه.
التناقض في خطاب ترامب يعكس هذا المأزق بوضوح. فهو يعلن أن الحرب انتهت وأن إيران “مُهزَمة تماماً”، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن ضرورة قصف السواحل الإيرانية باستمرار، وعن الحاجة إلى تحالف دولي لحماية الملاحة، وعن احتمال أن يستغرق تأمين المضيق أشهراً. هذه ليست لغة نصر، إنها لغة إدارة أزمة خرجت عن السيطرة.
والأخطر من ذلك أن هذا التخبط لا يقتصر على الخطاب الإعلامي، بل يهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة فوضى دائمة. عندما يعلن رئيس دولة عظمى أنه قد يقصف منشآت نفطية “لمجرد المتعة”، وعندما يتحدث عن قصف مستمر للسواحل بينما يطلب من العالم المشاركة في حربه، فإننا لا نكون أمام إستراتيجية، بل أمام سياسة ردود فعل تقود العالم نحو مزيد من العنف والدمار.

إن ما يجري اليوم في مضيق هرمز يكشف حقيقة أساسية: القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض السيطرة على الممرات الحيوية في عالم معقد وتسوده الفوضى الدولية، فحتى بعد عشرات الضربات الجوية وتدمير أهداف بحرية إيرانية، لا تزال الولايات المتحدة عاجزة عن ضمان حرية الملاحة دون حشد تحالف دولي واسع.
وبين ادعاء “تدمير البحرية الإيرانية” والدعوة إلى “تحالف عالمي لحماية المضيق”، تنكشف فجوة الحقيقة. إنها فجوة بين خطاب النصر السريع الذي يستهلكه الإعلام، وبين واقع حرب مفتوحة لا يملك أحد مفاتيح نهايتها. وفي هذه الفجوة تحديداً يتجلى الخطر الأكبر: سياسة يقودها الغرور والدعاية، بينما يدفع العالم ثمنها دماءً واقتصاداً واستقراراً.
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئاً عن مضيق هرمز، فهو أن السيطرة عليه لا تُحسم بالبيانات السياسية ولا بالتغريدات، بل بميزان معقد من الردع والقدرة والشرعية الدولية. أما حين تُدار الحروب بعقلية الاستعراض السياسي، فإن النتيجة تكون دائماً واحدة: المزيد من السفن المحترقة، والمزيد من الأسواق المرتعشة، والمزيد من البشر الذين يدفعون ثمن جنون القوة.