| رانيا كامل يونس |
لم يكن تزامن التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان حدثًا معزولًا عن السياق السياسي والأمني الذي سبقه، بل جاء كحلقة ضمن سلسلة مترابطة تبدأ من بيانات رسمية لبنانية صدرت الأسبوع الماضي، ولا تنتهي عند الغارات والاعتداءات المتجددة اليوم.
ففي الأسبوع المنصرم، صدرت ثلاثة مواقف أساسية: بيان الجيش اللبناني، وبيان الحكومة، وموقف رئاسة الجمهورية. وعلى الرغم من اختلاف الجهات، إلا أن القاسم المشترك بينها كان التأكيد على التهدئة، وضبط النفس، والتمسك بالشرعية الدولية، وتفويض المجتمع الدولي مسؤولية الضغط على إسرائيل.
لغة هادئة، محسوبة، لكنها في ميزان الصراع مع عدو لا يعترف إلا بمنطق القوة، قد تُقرأ بوجه آخر.
إسرائيل، التي تراقب بدقة المشهد اللبناني الداخلي، لم تتلقَّ هذه البيانات بوصفها مواقف سيادية صلبة، بل قرأتها – على الأرجح – كرسالة سياسية مزدوجة:
دولة منشغلة بتثبيت الاستقرار الداخلي، ومؤسسات حريصة على تجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مهما بلغ حجم الاستفزاز.
ومن هنا، يمكن فهم التصعيد الإسرائيلي اليوم لا بوصفه ردًا عسكريًا تقنيًا، بل اختبارًا سياسيًا لحدود هذا الخطاب اللبناني:
إلى أي مدى تستطيع إسرائيل الذهاب دون أن تواجه ردًا يتجاوز البيانات والإدانات؟
التجربة التاريخية تؤكد أن إسرائيل غالبًا ما تصعّد حين تشعر بأن كلفة التصعيد منخفضة سياسيًا. وعندما تصدر المواقف الرسمية بلغة تطمينية مفرطة، فإنها – عن قصد أو عن غير قصد – تفتح الباب أمام فرض معادلات جديدة على الأرض، تبدأ بضربات “محدودة”، وقد تتدحرج لاحقًا وفق ميزان الردع.
لا يعني ذلك الدعوة إلى الحرب، ولا التقليل من أهمية الحفاظ على الاستقرار الداخلي، لكن الفصل بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أثبت فشله مرارًا. فالجنوب ليس ساحة منفصلة عن البيانات، والبيانات ليست نصوصًا معزولة عن حسابات العدو.
لذا فإن التصعيد الإسرائيلي اليوم يطرح سؤالًا جوهريًا على الدولة اللبنانية:
هل تكفي لغة التهدئة وحدها في مواجهة عدو يعتبرها فرصة؟
أم أن المرحلة تفرض إعادة صياغة الخطاب الرسمي بما يحقق توازنًا أدق بين الحكمة السياسية ومنطق الردع؟
ما جرى ويجري في الجنوب ليس تصعيدًا عسكريًا فقط، بل رسالة سياسية مباشرة:
الفراغ بين الموقف والقدرة، بين البيان والفعل، هو المساحة التي تتحرك فيها إسرائيل دائمًا.
وما لم يُردم هذا الفراغ، ستبقى البيانات تسبق الغارات… ولا تمنعها.