| محمد حيدر |
موعد مع الحب في ضيافة الازرق الكبير:
قادنا الشوق الى نقطة اخترناها أن تكون بعيدة عن أعين الناس…ولأن مشاعرنا أكبر وأعمق منه…قصدناها فرحّب بنا بكل حفاوة وعزفت لنا أمواجه أعذب الألحان…
عند الشاطئ،التقيت حبيبتي وامتطينا المركب لنبحر الى احدى الجزر البحرية ونقرأ فيها كتاب عشقنا ونغزل من مشاعرنا حروفا نشعل بها عناوينه…
كانت عقارب الساعة تشير الى الحادية عشرة صباحا…موعد اختصر زمنا من اللهفة والانتظار والأحاسيس العاصفة… أبحر بنا المركب متجها نحو مقر مرسانا…وأثناء رحلة الإبحار أخذ الموج يداعب مركبنا وأصبح الأخير يتراقص وكأني به يتراقص على أنغام خفقات قلوبنا…كنت أنظر إلى عيني حبيبتي بكل دفئ وحنان… فجأة، رأيتها تترنج على مقعدها وتميل نحوي مستندة الى كتفي…أمر لم يكن في حسباننا:أصابها دوار البحر… أخذتها في حضني ورحت أمسح على رأسها كي تغفو لبرهة من الوقت.كانت ترنو اليّ وتتأملني برغم الدوار الذي تشعر به وتبتسم…وسرعان ما وصلنا … أخذت بيدي وحاولت أن تترجل من المركب ، وإذا بالدوار يمنعها من الوقوف ، عندها جثوت أمامها على ركبتي وأخذتها بين ذراعي ونزلت بها من المركب… لمحت صخرة شعرت انها تنتظر قدومنا … أجلستها خلفها واضعا يدي تحت رأسها ومددتها على الرمال الذهبية ، ورحت أجمع بعض الرمال لأصنع لها متكئا كي تستريح من عناء الدوار… كانت الشمس قد أرخت حممها على شاطئ الجزيرة لكن الصخرة هيأت لنا ظلها نتفيئ به من حر شمس الظهيرة . سرعان ما زال الدوار عنها وفتحت عيناها فوجدت نفسها ملقاة على الرمال وأنا جالس قربها أضع رأسها في حجري. عندها رفعت رأسها وحاولت الإبتعاد عني قائلة : الطقس حار جدا……
فوضى المشاعر:
كنت أعلم تماما أنني سأصاب بدوار البحر لكنني لم أستطع مقاومة تلك الرغبة بأن أكون معه في حضن البحر وأن ننعم بهدوء جزيرة الحب حيث تواعدنا…وجدتني على ركبتيه…فتحت بصعوبة عيني فانهمر كل مطر الحنان من عينيه…أصابني الدوار مجددا ولم أستطع التمييز:هل البحر هو السبب أم الموج العائم في عينيه ؟
لأول مرة أتمنى أن أبقى مصابة بهذا الداء طول العمر كي أبقى متوسدة ذراعيه….لكن تلك الرغبة الجامحة قاومها العقل وتمرد على نداء القلب فوجدت نفسي أهب واقفة وأركض أمامه مدعية أن الطقس شديد الحرارة.
بقي مكانه يراقبني من بعيد ويبتسم…أشعرني انني طفلته المدللة وكانت نظراته تلاحقني كظلي الحارس…كنت أقطف زهور الأقحوان وأصنع منها عقدا جميلا وأسرق النظر اليه من حين الى آخر…شعرت أنني فراشة ألهو وأطير في حقول قلبه بكل فرح وحرية…كنت أضع لمساتي الأخيرة على عقد الأرجوان عندما شعرت بكهرباء تسير في كل أنحاء جسدي…وجدت يدي بين راحتي يده يتأملهما ويشد عليهما بقوة…أردت المقاومة لكن نظراته أسقطت كل دفاعاتي.وجدتني أنساق اليه بكل جوارحي…أحيط عنقه بعقدي الجميل وأضمه الي بكل ما أوتيت من قوة…شدني اليه بكل حب وحنان ورفعني اليه وبدأ يدور ويدور وأنا أغرق بين يديه أكثر فأكثر وأرجوه أن يتوقف لكن دون جدوى…وعندما انتهى عاودني الدوار مجددا…كانت أوراق الأشجار اليابسة تغطي المكان ونسمات صيفية جميلة تداعب وجهينا…وجدتني أستلقي تحت احدى هذه الشجرات،أفترش أوراقها وأذوب في بحر من الحب…كان عبق عطره ورائحة أنفاسه المتهدجة تتسلل الى مسامي وتنخر عظامي…وكان يجيد لعبة التسلل الخفي الى كافة أنحاء وجهي…وكأنه أراد أن يرسم تفاصيل هذا الوجه وأراد أن يأخذ بطريقته الخاصة المقاسات والتفاصيل الدقيقة…ربما…من يدري…وبدأ وجهه يقترب من وجهي وشرعت طبول القلب تدق بسرعة رهيبة…أمر ما سيحدث ويجب أن لا أستسلم وأمنع حدوثه
….
مغامرة مجنونة
:
كان الموج يتدفق على تلك الصخرة فينثر رذاذا يلاطف وجنتينا…دنت من أذني وهمست تقول: أريد أن أغوص في زرقة عينيك وأبحر بعيدا علي أعتلي تلك الأمواج وتحملني برفقتها وتأخذني إلى حيث يقطن كل حنان الدنيا… عندها التفت إلى عينيها فوجدتها تشع بريقا دافئا أشعل داخلي حنين الاقتراب منها أكثر فأكثر ، فقلت لها سوف آخذك ونبحر ونركب الموج معا.
وجدت نفسي أرفعها بين ذراعي متجها بها نحو الشاطئ وأتوغل داخل مياه البحر أكثر فأكثر.
عندها اعتنقت رقبتي وصاحت بي … دعني أغرق بك ولا تتركني وحدي، أنا لا أجيد فن العوم إلا في بحر عينيك .عندئذ راودني شعور غريب !!! وأكملت مسيري والمياه تعلو شيئا فشيئا وذراعيها تلتف كطوق الياسمين حول عنقي .
الموج يعلو وكأني به يغار مني ولسان حاله يقول:دعها كي أحملها وأبحر بها وأخذها بعيدا عنك وأستقر بها في عرض البحر لتغفو قليلا، إني أراها مرهقة بالحب…
غجرية في لجة البحر
:
انتابتني رغبة جارفة أن أخوض معه غمار البحر وتتقاذفنا الأمواج مع انني لا أجيد فن العوم…لا أدري هل كانت مغامرة أو جنون بأن أكون معه في هذا المكان الساحر الغامض…كانت المياه تغمرنا شيئا وشيئا وأنا أزداد تعلقا به…لم أكن خائفة لأنني أثق به وأعي تماما أنه طوق نجاتي…لن يسمح لأحد أن يأخذني منه وهو بالطبع لن يتركني فريسة سهلة للأزرق الكبير…كنت أعوم في اعصار من الأحاسيس العذبة…ذراعاه تحيطاني برفق وتداعبان الموج ببراعة فائقة…تنزل خصلات من شعره على جبينه وتعكسان حمرة باهرة أضفاها لهيب الظهيرة…عيناه تقفزان بخفة بين رذاذ الموج الذي يرشنا وتخترقني…لأول مرة أشعر بالسعادة لأنني أجهل فن العوم…أريد أن أبقى معلقة بين السماء والبحر وذراعيه…ليت المسافة تطول ولا نصل…شددته الي بكل ما أوتيت من قوة واقتربت من أذنه ووجدتني أهمس له بدون وعي:انا مجنونة عشقك وغجرية في الحب…أريد حبا عاصفا يزلزلني..أريدك وشمة تنغرز في كل مساماتي…أتوق الى لهيبك،جنونك،نارك،همساتك،سكناتك،حركاتك…أريدك لي بكل كيانك،بكل نقطة تتألف منها مشاعرك…أعد تفصيلها ولتكن كل مقاساتها تناسب خارطة عشقي…فجأة توقف عن السباحة ونظر الي بكل جرأة وسحر…
طيف الغروب :
بينما كنت أبحر بها وكانت تتحسس أنفاسي وتتلمس شعري المبتل
وأنا أسمع همس أشواقها وأذوب بحرارة أنفاسها … راودني شعور غريب جعلني أتوقف عن السباحة…
نظرت إليها وكان شعرها ينسدل على وجهها مفترشا وجنتيها كما يفترش المرجان قاع البحر وتلاعبه نسمات بحرية … رحت أرفع بيدي تلك الخيوط الذهبية عن مروج الأقحوان التي أصبحتا كربوتين تتلألأن كماء الورد في حمرتها … ها نحن بعرض البحر وألسنة لهب تلتهم كل الأحاسيس … تتراقص لهبا في المياه وتشعلنا … عندها أيقنت أن الماء قد تطفئ النار لكنها ليست قادرة على إطفاء لهيب المشاعر التي تزداد اشتعالا كلما غصنا في الأعماق … حل المغيب ونحن نفترش الأزرق ونتوسد أمواجه … عدنا أدراجنا الى رمال الشاطئ وجلسنا نتأمل غروب الشمس خلف أسرار الأزرق المجهول … وما هي إلا لحظات قليلة حتى هبط الليل بسكينته وتركتنا الأضواء تحت جنح الظلام…
مناجاة المساء
:
للغروب حكاية مطرزة بالمواويل…كيف لا وانا اتكئ على كتف حبيبي نراقب القرص الاحمر وهو ينحدر بلطف الى حضن البحر…وكلما غاص اكثر فاكثر خيم هدوء ساحر على المكان تقطعه معزوفة الموج حينا وخلجات قلوبنا احيانا…
وعندما غاب الخيط الاخير تاركا المجال للعتم ان يبسط نفوذه تعلقت اكثر بحبيبي..هل كان خوفا؟لا اعرف…ربما شعرت ان علينا ان نعود من رحلتنا الساحرة وان كل اللحظات الجميلة تنتهي سريعا،فأردت ان اسرق المزيد من الفرح؟ليت عقارب الساعة تجمدت عند الرقم 11….ليتني ابقى طول العمر الى جانبه اتغذى من عسل عينيه وشهد روحه…كان صامتا يراقب البحر ويرمقني بنظراته ويبتسم…اردت ان اطلب منه العودة…فهم طلبي قبل ان اهمس بحرف…اومأ لي بالسكوت وشرع يعبث بالرمال غير آبه بدوامة الزمن…
العودة :
ليت الزمن توقف عند الساعة 11 بداية أعذب وأجمل حلم رأيته في حياتي…هل يتحوّل الحلم حقيقة وأصطحب أميرة الى هذه الجزيرة ونتوسد الرمال ونتغطى بضوء القمر؟هل نحظى بفرصة اللقاء ونسكب قصة عشقنا في قوارير نوزعها على عشاق العالم ليتعلموا كيف يكون الحب،كيف يتجسّد الصدق،كيف تحيا السعادة في وجوه من نحب؟
أنا وهي…جسدان في روح واحدة…حكاية عشق أسمى من أن يحتويها واقع وأضيق من أن يستوعبها مجرد حلم…حتى الحلم ضاق بها وأيقظنا منها كي نستريح قليلا من جرعات المشاعر الزائدة…أنا وهي مصابان بداء جنون الحب ولا نريد أن نشفى…هل رأيتم قبلنا مرضى يفرحون بوجعهم ويستلذون بأنينهم؟هذا هو الوجع الجميل،الأنيق الذي يهذب النفس ويصقل الروح ويملئ العين بالصور الجميلة…أنا في نظرها أجمل الناس وهي ملاكي الذي لا شبيه له…هذا هو الحب…
*** محمد حيدر ***