علي خيرالله شريف / شبكة جبل عامل الإعلامية
الفساد المستشري في لبنان منذ غابر الأزمان، يسري على الأزمات أيضاً. فكما يوجد تجار بكل شيء في هذا الوطن المعطاء، وسمسراتٌ من الرأس إلى أخمص القدمين، للأزمات تجارها أيضاً، كما في كل بلدٍ تنتشر فيه الفوضى. وهؤلاء التجار يمتهنون كل الأساليب الرخيصة المتاحة لاكتناز الأرباح ولو على حسابِ القِيَم والمصير. كل شيءٍ في لبنان مُتاح، ما دامت القِيَم تتقهقر، ولا حسيب ولا قضاء ولا رقيب.
الجشع لا ينتمي إلى طائفةٍ دون أخرى أو إلى منطقةٍ دونَ أخرى. ولكنه يزداد خطورةً عندما يمتزج بالمواقف السياسية والطائفية التي تصل إلى حد العداء.
إن الإيجارات التي تُفرَض على المستأجرين الجنوبيين(أرفض أن أسميهم النازحين)، تُعَبِّرُ عن جَشَعٍ يلامس الفجور.
فمِن ستة آلاف دولار أميركي شهرياً لشقة مساحتها 330 متر مربع وتأمين 12 ألف دولار في إحدى المناطق، إلى خمسمئة دولار لغرفةٍ لا تستحق الخمسين دولار في منطقةٍ أخرى. ومن ملاحقة امرأة مستأجرة مع أولادها، وإنذارها بترك القرية خلال 48 ساعة، إلى هجوم بعض السكان على عائلة جنوبية بالشتم والإهانة وإجبار صاحب الـمُلك الذي أَجَّرَهُم شقةً بمبلغ ألف دولار، على عدم تأجير منزله لهم.
هي مشهدية لبنانية بمنتهى الوطنية والنبل والتضامن. لبنانيون يفرضون على لبنانيين أقصى ما يستطيعون من شروط تَحَكُّم واستغلال وابتزاز. وآخرون يشتمون المستأجرين ويطردونهم بسبب انتمائهم الطائفي والمناطقي.
إن المسألة تخطت قصة الثيران الثلاثة، حتى وصلت إلى حدود التلاقي مع العدوان كما تتلاقى المطرقة والسندان. لن نسأل عن النخوة والشهامة والأصالة العربية، ولا عن صورة التراحم والتعاضد الإسلامية، ولا صورة المحبة والأخوَّة المسيحية. بل نسأل من أين أتت مشهدية الذئاب الذين يتربصون بالفريسة؟
إن هذه المواقف لا تُمَثِّلُ الشرفاء من أهل جبل لبنان ولا من أي محافظةٍ أو منطقةٍ لبنانية أخرى. لطالما تَغَنَّى لبنان باللياقة وكرم الضيافة، التي يتحلَّى بها أهل الجنوب اللبناني وأهل القِيَم من كل المحافظات. وهذا ما تعلَّمناه منذ أن كنا أطفالاً.
أما الذين يرفعون أسعار شققهم بهذا المستوى الجنوني، ويستغلون عزة نفس أهل الجنوب الذين يرفضون أن يكونوا عبئاً على أحد، وهم من أهل النعمة والرضوان. وهم معروفون بلياقتهم وأدبهم وأخلاقهم السامية أينما حَلُّوا. ولا يطلبون مِنَّةً من أحد.
من المعيب أن يصدر عن اللبناني هذا الاستغلال والابتزاز، وهذه العدوانية، إن كان تجاه ابن الجنوب أو تجاه ابن أي منطقة أخرى. فهذه ليست وطنية ولا إنسانية ولا علاقة لها بأية قيمةٍ أخلاقية في الأرض ولا في السماء، ولا تبشر بالخير لمستقبل لبنان، مهما تبجح بعض قادة العصابات وضحكوا على أنصارهم وعبَّؤوهم ضد ابن وطنهم.
إن هذا الذي يستغلنا، لا يؤتمن على سلامتنا ولا على عرضنا، ولا نأمَنه من أن يَشيَ بنا ويبيعنا بثلاثين من فِضَّة.
معروفٌ عن اللبنانيين، منذ قديم الزمن، أنهم مثل ما عَبَّرَ أهل البقاع اليوم، كرماء متعاضدين متكاتفين مضيافين، يقدمون بيوتهم للزائرين في الحالات العادية، فكيف بكم في الأزمات، يقدمونها ولا يعتبرون الزائرين ضيوفاً، بل يعتبرونهم أهل الدار وأصحابها. ولا يعتبرونهم مستأجرين بل مالكين.
إن الواقع المرير الذي نمُرُّ فيه حالياً، هو نتيجة الحقن الطائفي والتحريض المذهبي، والاتهامات العشوائية، والقدح والذم، عبر المنابر ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو نتيجة التدخلات المشبوهة والمقصودة والمخطط لها، من جهاتٍ خارجية كثيرة تعمل على تقسيم لبنان كما تعمل على تقسيم الدول العربية الأخرى. ونتيجة تطوُّع الكثير من القيادات السياسية والدينية في لبنان لخدمة تلك التدخلات. وها هم وصلوا إلى مبتغاهم، وبات الشعب اللبناني في هذا المستوى من التنافر والتشرذم. وفوق كل ذلك، لا دولة تراقب وتحاسب، ولا سلطة تحضن أبناءها، ولا حكومةً تقوم بواجباتها، لا في توحيد الوطن ولا في دمج المواطنين، ولا في محاسبة المارقين. بل هي تزيد الطين بِلَّة في كل الميادين وفي استغلال المواطنين وسرقتهم. “فإذا كان رب البيت بالطبل ضارباً، فما شيمة أهل البيت إلا الرقص”.
دعكم من شعارات الثرثارين على الشاشات، المُوَظفين المأجورين، الذين يعملون على صناعة الخيانة للوطن والمواطنة. نقولها بكل صراحة ووضوح: إنَّ أهل الجنوب هم أهل الإيمان والكرم والعطاء والبذخ والصدقة والزكاة وفعل الخيرات. وليكن بِعلم الجميع، أن من يستقبل أحداً منهم في منزله، بصفةِ مستأجرٍ أو غير مستأجر، لا يفعل ذلك لأنهم نازحين ولا مشردين ولا محتاجين؛ إنما بصفتهم متفضلين على كل لبناني، بل على كل عربي، بالدفاع عن كرامته ووجوده وتاريخه. وأهل الجنوب ليسوا بحاجةٍ إلى مِنَّةٍ من أحد، إنما يستأجرون من حُرِّ مالهم، ويُنَشِّطون الاقتصاد أينما حلُّوا واستقروا. ومن يحاول استضافتهم، إن تكرموا هم بقبول الضيافة، فإنما يرد لهم بعضاً من فائض جميلهم على الأمة جمعاء، وهو يحظى بالشرف العظيم والبركة الفائضة وبالتوفيق الإلهي أنه يساهم بنذرٍ يسيرٍ في تكريم من بذل من أجلنا كلنا، عزيزاً ودماءً ومالاً وممتلكات.