يمثل استئناف العدو الإسرائيلي استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت تحولاً لافتاً في مسار المواجهة الأمريكية الصهيونية مع الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة.
وشكلت الضاحية الجنوبية مؤخراً أحد الخطوط الحمراء التي رأت طهران أن تجاوزها سيعيق أي تفاهمات مع واشنطن، لكن يبدو أن العدو الإسرائيلي يمضي في خياراته العنيفة بدلاً من أي حلول تجنب المنطقة المزيد من اشتعال النار.
ويأتي هذا التطور بموازاة الحراك الدبلوماسي الذي تقوده باكستان للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب، حيث يحل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي ضيفاً في طهران، حاملاً رسالة مهمة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد مجتبى الخامنئي، دون أن تفصح وسائل الإعلام الإيرانية عن محتواها.
والتقى نقوي في طهران، اليوم الأحد، وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وسلمه رسالة خطية من رئيس وزراء بلاده شهباز شريف، كما ناقش الجانبان خلال اللقاء آخر التطورات الدبلوماسية في مسار المفاوضات بين إيران وأمريكا، بالإضافة إلى التطورات الإقليمية.
وبعد دقائق من الغارة الصهيونية على الضاحية الجنوبية لبيروت، أدلى الرئيس الأمريكي المجرم ترمب بتصريحات قال فيها إنه لا يطالب بأن يكون لبنان جزءاً من أي اتفاق قادم مع إيران، كما عاد ترمب للتلويح بخيارات الضغط القصوى، وربط أي تسوية محتملة بشروط تتعلق بالبرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.
وأشار ترمب في تصريحات لـNBC إلى أنه إذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران فسنزيد من إضعاف الجيش الإيراني حتى تتمكن قواتنا من أخذ اليورانيوم بأمان، وإذا توصلنا إلى اتفاق ستكون معداتنا جاهزة لإخراج المخزون النووي.
وأضاف: “قد نلجأ للخيار العسكري للحصول على اليورانيوم الإيراني إذا رفضت التعاون، ولا خيار أمام إيران سوى الاتفاق وتسليم اليورانيوم المخصب”، لافتاً إلى أنه لا يعتزم سحب القوات الأمريكية حتى في ظل وقف إطلاق النار، وأنه منفتح على إجراء محادثات مباشرة مع المرشد الإيراني إذا رغب في ذلك.
وفي المقابل، أشار التلفزيون الإيراني إلى أن مقر خاتم الأنبياء مستعد لتنفيذ عملية “الوعد الصادق 5″، ولن يترك هجمات الصهاينة على ضاحية بيروت دون رد.
ويعد قصف الضاحية في بيروت اختباراً جديداً لقواعد الاشتباك، فإيران التي حذرت سابقاً من استهداف الضاحية ستكون معنية بالرد، حتى لا يضاف ذلك كإنجاز للمجرم نتنياهو، وعليه فإن التطورات الأخيرة توحي بأن المنطقة تقف أمام مرحلة دقيقة تتراجع فيها فرص تثبيت التهدئة، مقابل تصاعد احتمالات العودة إلى سياسة الضربات المتبادلة والرسائل العسكرية، في ظل استمرار التباعد بين مطالب واشنطن وطهران، وغياب مؤشرات حقيقية على التوصل إلى تفاهم شامل ينهي الحرب.
وكان المجرم نتنياهو قد هدد الأسبوع الماضي بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، إلا أن التهديد الإيراني باستهداف مغتصبات العدو شمالي فلسطين المحتلة أجبر نتنياهو على التراجع بعد مكالمة حادة مع ترمب.
ومن هذه الزاوية، فإن الغارة الأخيرة تثبت استمرار العدو في تحقيق أهدافه، دون اعتبار للتهديدات، محاولاً استعادة صورة الردع التي حطمتها المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان.
وعليه، فإن استهداف الضاحية سيعيد رسم قواعد الاشتباك التي تشكلت خلال الأشهر الماضية، كما أن تصريحات ترمب المتزامنة مع الغارة تشير إلى أن واشنطن تحاول فرض ضغوط إضافية على إيران والمحور للقبول بشروطها المرسلة من قبل الوسيط الباكستاني، وهذا يجعل إيران أمام خيارات متعددة، وفي مقدمتها الرد بالقصف الصاروخي على مغتصبات الشمال حتى لا تتكرر الحماقة الصهيونية مرة أخرى في ضاحية بيروت.
وبناء على المعطيات، فإن الرد الإيراني على العدو الإسرائيلي وارد لا محالة، وما يؤكد ذلك تصريحات المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، الذي أكد أن إيران سترد على هجوم الكيان الصهيوني على الضاحية، وأنه سيكون رداً حاسماً ومؤلماً، و”يجب تأديب هذا الكلب المسعور وإعادته إلى مكانه”، متبعاً ذلك بقوله: “راقبوا سماء الأراضي المحتلة هذه الليلة”.
وبموازاة ذلك، فإننا أمام عدة احتمالات، فقد تعود الحرب إلى عهدها وبوتيرة ربما أقوى، فالخطوط الحمراء قد تم تجاوزها من خلال استهداف الضاحية الجنوبية، والرد الإيراني بات وشيكاً، لكن تظل كل الاحتمالات واردة، فقد نشهد تراجعاً وعودة للالتزام بقواعد الاشتباك، أو سندخل في مواجهة كبرى عنوانها الصواريخ والغارات الجوية.