بقلم علي خيرالله شريف
مشهدٌ متماسكٌ متجانس، يليق بالإجماع العربي وبالجامعة العربية، ويهتدي بفتاوى ابن تيمية وابن باز وكل المفتين في بلاط مملكة الخير وإماراتِها، المتخصصين بأحكام الحيض والنساء، وأحكام الريح من باب البدن، وجهاد النكاح وزواج المسيار والمسفار والمصياف، والتسعة أنواع من زواج الغرائز الأميرية الماجنة في معابد الوهابية، ودعوات الجهاد في العراق وسوريا، والاغتيالات والتفجير في لبنان، ودفن الرؤوس في الرمال عند الحديث عن القضية الفلسطينية. وبوصف المشهد العربي الخلاَّب لا ننسى المشهد الإسلامي من أمة المليارين، حيث رجب طيب أردوغان ونظام ماليزيا وأندونيسيا وغيرهم، من شدة حُبِّهِم للقضية الفلسطينية طردوا قادتَها عدة مرات من بلادهم بناءً على طلب إسرائيل، ومن أولئك القادة الشهيد الشيخ صالح العاروري. الحديث يطول عنهم، إنما هنا لن نتحدث إلا عن أمتنا العربية “الواحدة” ذات الرسالة المكتوبة بالحبر الأميركي، والمخطوطة بالقلم الصهيوني، والمقروءة بأصوات الملوك المتأتئة المتلعثمة المترددة المتخاذلة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نورد ما يلي من المشهد:
السعودية نظمت على أنقاض غزة أكبر مهرجان للطرب والرقص، ومسابقة أجمل كلب في العالم برعاية ملكها وولي عهدها. وأجرت مصالحة بين المطربة أنغام المصرية والمطربة أصالة نصري السورية برعاية إمام المسلمين وخادم الحرمين الشريفين. فكان أمير الترفيه، الوَرِع التَقِي، يتأبط المطربتين المتصالحتين بكلِّ حفاوةٍ إيمانية سعودية، ويمشي بِهِنِّ في أروقة القصر كالطاووس الخارجِ مُنتَصِراً من معارك استرجاع الكرامة العربية.
وبعد انتهاء مهرجانه الترفيهي، تذَكَّر ولي العهد الميمون أن يعقد قمةً اسلامية، فسَخَّرها لإجهاضِ أي قرار لنصرةِ غزة. ثم عاد لرسالتِهِ الترفيهية الملكية، وأقام احتفالاته بالميلاد ورأس السنة، حتى ظننا أنه سيبيع مكة بالمزادات العلنية ليتخَلَّصَ من كل ما يمُتُّ بِصِلَةٍ إلى الرسالة المحمدية، بعد أن أصدر وُعَّاظُهُ كل ما يحتاجُهُ من الفتاوى اللازمة لتشريع الفجور ومبايعة الرقاصات والغانيات لقيادة المجتمعات العربية.
أما الإمارات، فَهَبَّت منذ السابع من تشرين، واستنفرت وأرسلت النجدة والإغاثة بالطائرات والشاحنات. وحولت الأموال، وأرسلت السلاح والذخائر، وبعثت ما لديها من بضعة طيارين وطيارات، لقصف غزة والمشاركة في ارتكاب المجازر بأطفالها ونسائها، وسارعت إلى المساهمة في كل الأعمال الخيرية لمساندة الجيش الصهيوني وحماية المستوطنين، وإبادة الفلسطينيين. ثم سخرت كل أمرائها ومرتزقتها وعملائها لنشر السباب والشتائم على وسائل التواصل، وتشويه القضية وإسقاطها من الحقوق المدنية، وتمجيد القتلة والمحتلين ثم تصويرهم على أنهم أصحاب حق فيما لا يملكون.
ثم في رأس السنة الميلادية، زينوا برج خليفة وجمعوا الثمانين بالمئة من سكانهم الأجانب حوله، وكلفوا الشركات الأجنبية بعرض بانوراما على برجهم الزجاجي وإطلاق المفرقعات النارية بأبهى الألوان الفنية، وأغرقوا الساحات بالخمور والفجور، وأشعلوا ساحاتهم بجنون التَفَلُّتِ من الأخلاق، وعرضوا صوراً عملاقة لأمرائهم الأقزام حتى ذكروني بالقط الذي تَوَهَّمَ نفسه أسداً في المرآة فظن أنه ملك الغابة.
أما مصر أم العرب، فيقف رئيسها بواباً على معبر رفح، بتعليماتٍ صارمة من تل أبيب بعدم فتحه حتى ولو مات أهل غزة عن بكرة أبيهم. وبما أنه رئيس مؤتمن على الأمن القومي المصري والعربي، لم يخالف التعليمات لو مهما مات من الفلسطينيين. حتى أنه منع عنهم المياه والخبز وحليب الأطفال وحبةَ الدواء. وتتفانى مخابراتها في التعاون مع الاحتلال، للحماية والوشاية، وإنجازات المهمات الرهيبة في الأوقات العصيبة لتصفية المقاومين، وبات أقصى ما يمكنها تقديمه للفلسطينيين، أن تحمل إليهم شروط الاحتلال بأن يستسلموا ويرموا السلاح ويمدوا رقابهم للذبح، ثم تأتي مصر إلى دفنهم في مقابر جماعية.
وقطر، هذه الإمارة فاحشة الثراء، وصاحبة “المآثر” في تدمير بلاد العرب، تنافس مصر في دور ساعي البريد وناقل الكفر وواعظ المقاومين بالاستسلام، ولا تنسى أن تتبرع لهم ببعض الفتات لزوم إنجاح المهمة الـمُكَلَّفة بها من قبل أحفاد سايكس بيكو وبلفور وهنري كسنجر وبرنارد هنري ليفي. ومن مآثرها طرد الشيخ صالح العاروري من أرضها بناءً على طلب العدو.
أما البحرين والسودان وموريتانيا وبعض التابعين من تحت الطاولة ومن فوقها، فهم جاهزون تحت الطلب، لتغطية حاجات صفقة القرن وقرن الشيطان وكل قرون الزنا السياسي والارتزاق بذبح الأمة وقضاياها وكرامتها.
وبالحديث عن الشعوب العربية، فهي لا تعرف كيف تتحرك ولا كيف تثور. شعوبٌ واهنة ترتعب من اللون الأحمر، لا تجرؤ على اجتياز جدارٍ واحدٍ من سفارات العدو والدول الغربية. تخرج في واجب التظاهر رفعاً للعتب، ثم تعود إلى منازلها وكأن شيئاً لم يكن، وسفراء العدو يتقهقهون أمام شاشاتهم ويتذكرون قول غولدامائير صبيحة حرق المسجد الأقصى أول مرة عام 1969، يوم نامت مرعوبة من نقمة العرب، ثم استفاقت على “شخير” شعوبهم، فاستأنفت حرق الأخضر واليابس لغاية ما نشهده اليوم من حرق غزة والضفة.
نشكر الله عز وجل على نعمة وجود دول المحور من العرب وغير العرب لكي لا تضيع البوصلة.
*الأربعاء 3 كانون الثاني 2024*