لا هذا ولا ذاك يصلحان

كتب علي خيرالله شريف

 

لبنان ينفعه رئيس حقيقي يقول لائي لا ونعمي نعم، رئيس يحمل فكراً وطنياً وشهاداتٍ علمية وأفقاً واسعاً ونزاهةً لا تُضاهى ورؤية استراتيجية وكفاءة إدارية وتربية وطنية خالصة، يكره المحاور والمحاصصة والسكاكين والبطيخ والاستزلام للخارج أو للداخل. نحن بحاجة لرئيس مواطن وليس بيكاً لأن البيك يحتاجنا خدماً له، بينما نحن نريد رئيساً يخدمنا، وبحاجة لرئيس مؤسساتي وليس “خصخصاتي”، لبناني حقيقي، وعربي أصيل، يُقَدِّسُ المصلحة العامة والقطاع العام والمؤسسات العامة، فلا يبيعنا لصندوق النقد الدولي، ولا يخصخصنا للبنوك والتجار والسماسرة والكازينوهات والعلب الليلية.

لبنان يحتاج رئيساً رجلَ دولة، لا رجل حزب ولا رجل حربٍ أهلية ولا رجل بيت سياسي ينعتونه بالعراقة للتملُّقِ ومسايرة الإقطاعية، ولا رجل تابع لصندوق دولي أو جهاز استخباراتي، أو مشيخة خليجية أو دولةٍ غربيةٍ أو شرقية، ولا نحتاج من يزحف إلى الرئاسة لأن طالب الولاية لا يُوَلَّى.

نريد رئيساً لا يطعن المقاو_مة من ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول لا يسمح بالمساس بها من الجهات الأممية والدول المارقة، بل يُكَرِّمُها لأنها حَرَّرَت وَحَمَت وحَصَّنت وأَكسَبَت الوطنَ كل المناعة ضد كلِّ من يتربص به، والجهة الثانية أن يكرس الثلاثية الذهبية التي هي أقوى من ألف قُبِّةٍ حديدية، والجهة الثالثة أن يسعى مع الحكومة الوطنية(وليس أي حكومة) إلى وضع خطة اقتصادية ومالية استراتيجية تُحَوِّلُ البلد من الريع والسمسرة والكومسيون وتجارة النساء، إلى الانتاج والاستخراج والصناعة والزراعة والاستثمار بعقول البشر.

مع كل احترامي للمرشحين الحاليين، ومع تقديري لأصحاب التصريحات الوطنية والتاريخ العروبي، ومع احترامي لأصحاب الخبرة في إدارة المصارف والأسواق المالية والعقارات، نقولها بملء القلم وعمق القلب وصريح اللسان: لا تجعلوا لبنان عقاراً للبيع بالمزاد العلني وأسواق النخاسة، ولا تجعلوه أسهماً تتداولونها في البورصات العالمية، أو تركةً يتم توريثها من الأجداد إلى الأبناء والأحفاد، ولا تجعلوا أبناءَهُ سِلعةً للتصدير إلى الخارج، كما قال أحد النواب الأشاوس، حيث التنكيل بهم في غربتهم وتَحَكُّمِ القراصنة بهم في المطارات المأجورة.

أتحدث باسمي ولا أمثل إلا نفسي؛ إن لبنان لا ينفعه السيد سليمان فرنجية حتى ولو كان حفيد عيسى بن مريم عليهما السلام، ولا ينفعه جهاد أزعور حتى ولو كان أياً كان. فالأول يليق به أن يبقى زعيماً لناحيته، مع أني لستُ من أنصار التوريث السياسي المسؤول الرئيسي عن كُلِّ مَصائِبِنا، والثاني يليقُ به أن يبقى مديراً إقليمياً لذلك الصندوق الجَشِع البغيض، الذي يُقرِضُ الدوَلَ بالفائدة ويقدم لها الوصفات القاتلة، ثم يطلق عليها رصاصة الرحمة لتنهار وتموت، ثم يشتريها بأبخس الأثمان أو بلقمة عيشها.

ولبنان لا يليق به السيد جبران باسيل رئيساً، لأنه عَرَّاب تكريس مقولة”ستة وستة مكرر”، ومن أصحاب أنشودة “المجتمع المسيحي”. مع تقديرنا الكبير لوقوفه مع الم_قا_و_مة في لبنان، إن له بعض المواقف التي لا تنسجم مع مفهوم الدولة المدنية، بدءاً بموقفه تجاه الناجحين في مجلس الخدمة المدنية، مروراً بزياراته الخارجية التي كان يقتصر خطابه فيها غالباً على المغتربين من طائفته، وبزياراته الطائفية لبعض مناطق لبنان، وصولاً إلى تبنيه لترشيح السيد جهاد أزعور المعروف، مع أناقته ودماثة أخلاقه، بتاريخه وارتباطاته وبما يشاع عنه من صلاتٍ بملفات الفساد أثناء مزاولته لمهامه كوزير مالية وتحالفه مع أخطر رئيس حكومة مر على لبنان(فؤاد السنيورة).

معطياتٌ كثيرة تجعلنا نرتعب على مستقبل لبنان من هكذا مرشح، وكل المقدمات الاقتصادية والأزماتية، قد وضعت لبنان على شفير هاوية جديدة ليس أقلها بيع ما تبقى من مؤسساته لنفس الجهات التي ينتمي إليها هذا الـمُرَشَّح. من هنا أنا نستغرب موقف رئيس التيار جبران باسيل وموقف فخامة الرئيس ميشال عون بترشيح أزعور، وأربط ذلك بأحد التفسيرات الآتية:

إما أن باسيل وعون والتيار لا يعلمون شيئاً عن مرشحهم فرشحوه للتصدي لفرنجية فقط، ومن المستبعد جداً أنهم لا يعلمون وهم كانوا منذ زمن أزعور يكافحون بالإبراء المستحيل، ولأن الناس كلها تعرف أزعور، فكيف بنا برئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، وإما أنهم يعلمون عنه كل شيء ولكنهم مضغوط عليهم من جهات خارجية متدخلة بلبنان، أو داخلية متأثرة بالنهج النقيض، وهذا احتمال خطير إن كان صحيحاً، أو أن باسيل والتيار يعرفون كل شيء ويوافقون عليه، وهنا الطامة الكبرى.

فلو رشح التيار الوطني الحر شخصاً لا غبار عليه وطنياً وكفاءةً، لكان أحرج معارضيه وأعجب مؤيديه ومواطنيه. أما أن ينضوي تحت عباءة جعجع والبطرك، ويرضخ لضغط المعبد ولمقولة “أوعا خيك”، فقد حشر بذلك نفسه في زواريب النكد والطائفية وانتصرت فيه العصبية التي لا يمكن لها أن تبني الأوطان.

في الختام، نكررها بالفم الملآن: لا هذا ولا ذاك ينفع لرئاسة جمهورية لبنان، وبالأحرى لن ينفع أي رئيس لجمهورية لبنان ما دامت تسيطر عليه هذه الطبقة الفاسدة، وما دامت الدولة خالية من رجال الدولة.