كتب الاستاذ محمد أمين خميس:
شكل السابع من أكتوبر تحوّلاً محوريّاً على أثر الطوفان التاريخي الذي قامت به فصائل المقاومة الفلسطينية على رأسها حماس ما شكل تهديداً وجودياً لأول مرة منذ العام 1973 وكشف عن مدى ضعف وهشاشة الأنظمة الإستخباراتيّة والدفاعية الإسرائيليّة ونقاط ضعفها بالرغم أنها تُعتبر الأكثر تقدماً وتسليحاً على مستوى العالم, ونجحت حركة حماس في كشف عدة نقاط ضعف في الأنظمة الأمنية الدفاعية الاسرائيلية وكشف مدى هشاشة هذا الكيان الذي وصفه سابقاً السيد حسن نصر الله بأنه أوهن من بيت العنكبوت،والعمليّة التاريخية نتج عنها ردة فعل إسرائيليّة جنونيّة من قصف للأبرياء والمدنيين العزّل أدى إلى مجازر جماعية ترتكب يوميّاً بحق الفلسطينيين أقلّ ما يُقال عنها بأنها عملية إبادة شاملة للشعب الفلسطيني, ما يثبت تماماً عدم قدرة هذا المحتل الغاصب والنازي على رسم استراتيجية جديدة مع دول العالم العربي الإسلامي، وإبقاء فكرة الردع وقوّة ما يُدعى التجذّر الصهيوني التاريخي في المنطقة الأمر الذي سوف يفشل الجهود التي بذلها هذا الكيان المحتل على مدى عقود في سبيل اعتراف الدول العربية والشعوب الإسلامية بكيانه، وتطبيع العلاقات مع بعض البلدان العربيّة وخصوصاً الدول الغنيّة بالثروات والتي تحمل نوعاً من الطابع الإسلاميّ مما كان سيسهّل مخطط الصهيونية العالمية في التغلغل إلى داخل عقول وفكر الشعوب والأنظمة ويسهّل عملية الإعتراف بوجوده بالتأكيد كل ذلك أصبح أمنيات وأحلام.
في الوقت الذي اكتفت فيه دول العالم العربي والإسلامي بإصدار بيانات الاستنكار والشجب والتنديد بما تمارسه إسرائيل من مجازر جماعيّة وقوة مفرطة بوجه المدنيين الفلسطينيين العزّل في الأراضي الفلسطينية المغتصبة, فقد سعت حركة حماس في الدفاع والمقاومة عن غزة بما تمتلكه من إمكانيات تُعتبر فعليّاً محدودة أمام ماكينة الحرب الإسرائيلية واستفادت المقاومة الفلسطينيّة بشكل كبير من تدخل حزب الله كقوة مساندة على الحدود الفلسطينية حيث تزداد شراسة العمليات يوما بعد يوم أجبر العدو الصهيوني عن سحب قسم كبير من جيشه والإحتياط وإجباره على إعادة حساباته العسكرية حيث ظهر ذلك جليّا مع تعاظم المخاوف الإسرائيلية من القوة الهجومية والقدرات الدفاعية لدى حزب الله حيث أوعز رىئس الوزراء الإسرائيلي النتن ياهو بتوجيه ضربة عسكريّة إستباقيّة ضد حزب الله في 11 أكتوبر أيّ بعد 5 أيام من عملية طوفان الأقصى ثم تراجع عنها بسبب الضغط الأميريكي الهائل الذي تعرضوا له خوفاً من إنفجار هائل بوجههم لن يقدروا على إستيعابه والبقاء ضمن حدود ردّ معينة على عملية طوفان الأقصى التي لم يستيقظ الإسرائيلي منها بعد وعلى الصعيد الإستراتيجي لن يستيقظ منها أبداً.
إن الدعم الخارجي المشروط لحماس بسبب انتمائها العسكريّ لمحور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران، ويمثّل تحالف عسكري سياسي إقتصادي إقليمي مناهض للوجود الغربي ومعادٍ للصهيونية في المنطقة والعالم، ينتظم فيه كلٌ من حزب الله في لبنان والنظام السوري الداعم لهم خصوصاً بعد المصالحة بين حماس ودمشق عام 2022 بجهود إيران وحزب الله عبر مؤتمر الجزائر أثمرت عن عودة حماس إلى حضن العروبة المقاومة والحفاظ على وهج القضية الفلسطينية مشتعلاً في قلوب الشعوب الحرّة،وبالطبع لا ننسى الدور البارز والفعّال من انصار الله وبروز فصائل المقاومة العراقية على رأسها حزب الله العراقي بشكل علنيّ ما بدأ يشكل هواجش فعليّة خصوصاً للأميريكي داخل العراق بعد عدة إستهدافات لقواعده بالرغم من أنّ حزب الله العراقي لم يبلغ بعد مرحلة النضج سواء العسكري أو السياسيّ المطلوب لخوض معارك بهذا الحجم.
لطالما سعى تحالف المقاومة الذي صنعه الشهيد سليماني على مدى عقود وقام بنسج ساحاته وبقعه الجغرافيّة إلى كبح جماح الغرب في المنطقة وبرزت معالمها في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، فإن قيادات هذا المحور على يقين ما فعله الغرب في كل من فيتنام وأفغانستان والعراق والبوسنة وغيرها والمحور لم يكن بعيداً أصلاً عن مساعدة هذه الساحات المُعتدى عليها نذكر جملة بارزة قالها رئيس البوسنة السابق علي عزّت بيجوفيتش “لولا إيران لما كانت هناك البوسنة” ، وعليه فإنّ تحالف الممانعة قائم على رفض الهيمنة الغربية والتصدي لتدخلاتها في المنطقة وحقوق الإنسان في أن الشعوب لها الحق في تقرير المصير,ومحاولة تحرير الأوطان في سبيل بناء مجتمعات إنسانية متحضرة تكون هذه الشعوب نموذجاً فاعلاً في تأسيس مجتمع متحضّر متقدم غاب عن المنطقة منذ قرون، بينما على المقلب الآخر نرى اتفاقيات التطبيع مستمرة على قدمٍ وساق من العديد من دول الخليج العربي خصوصاً تعاون هذه الدول مع نظام العصابات الصهيونيّة ومدها بالمال والسلاح والنفط والدعم الإعلاميّ والإستخباراتي اللامحدود ومساعدتهم في كيّ الوعي العربي والإسلامي حفاظاً على كراسيهم وألقابهم من جهة وخوفهم الشديد الذي يسبب لهم الأرق مما يسمّى التمدد الشيعي أو النفوذ الإيراني وحركات التحرر الإسلامية المقاومة.
إن دعم إيران الشيعية اللامحدود لحركة حماس السنية، يستوجب التفكير فيه بشكل عميق، لأنه بصراحة استطاع هذا التحالف ولو جزئي بالوقت الحالي ” جزئي بسبب بعض التباين بين الجناح العسكري للفصائل الفلسطينية والأجنحة السياسية المتعددة التي ما زالت تحول التعويل على بعض الأنظمة المطبعة مثل مصر وقطر وتركيا وبان ذلك واضحاً من خلال خطأ في الترجمة من قبل مسؤول إيرانيّ عن موضوع طوفان الأقصى فكان ردّ بعض القيادات السياسية في حماس عدائيّاً جداً وغير مناسباً خصوصاً في المرحلة التحولية التي تمرّ بها الحركة والمنطقة ككلّ”, نتابع من أنّ دعم إيران والمحور أفشل المخططات الصهيونية وكثير من خطط بعض الأنظمة العربية المتواطئة عبر دعمهم الماليّ من تقديمهم عشرات مليارات الدولارات في السنوات الماضية وتجييش وتكفير وتقليب الرأي العام العربي والإسلامي ضد محور المقاومة وخصوصاً إيران برز ذلك من خلال دعمهم الإستخباراتي والمالي والسياسي في تأسيس فصائل مسلّحة في سوريا وتأسيس حركات تكفيرية متطرفة رجعيّة مثل داعش والنصرة والجيش السوري الحرّ وغيرهم الكثير وقاموا بمدّهم بشتّى أنواع الأسلحة والذخيرة التي أدت لمقتل مئات الآلاف من المدنيين والأبرياء منذ العام 2011 وطبعاً لا ننسى عمليّة عاصفة الحزب التي قادتها السعودية والإمارات العربية المتحدة ضد اليمن منذ العام 2014 وما زالت حتى اليوم ضمن وقف إطلاق نار هشّ صمد فيه محور المقاومة بقيادة الحوثيين وسقط خلاله أيضاً مئات آلاف الضحايا الأبرياء في محاولة من دول الخليج ما يُدعى وقف المد الشيعي داخل اليمن.
يبقى لدينا سؤالاً جوهريّاً وهو ما يُحدد منحى الأمور أنه هل هناك أجندات تسعى إيران ومحور المقاومة ككلّ لتحقيقها في إطار مخطط توسعيّ كما يدعي البعض، أم أنها تسعى لنصرة المستضعفين من المسلمين في العالم العربي وإلحاق هزيمة كبرى في المعسكر الغربي؟
في الحقيقة إنّ ما تقوم به إيران من دعمها للقضية الفلسطينية سوف يسهم حتماً في تغيير نظرة المسلمين حول العالم تجاه إيران من جانب ومن المذهب الشيعي من جانب آخر التي يحاول الطرف الآخر تكفيره بكل الوسائل، وبالأخص لدى الشعوب العربية التي ترى أنظمتها الحاكمة أنها أصبحت فارغة من المضمون لأنّ التربية الإسلامية التي تنشأ عليها شعوبنا العربيّة والإسلاميّة فيها عقيدة رئيسية في كره الظلم ومقاومة العدوان ونصرة المظلومين ويبرز ذلك واضحاً من التضحيات والتقديمات التي يقدمها محور المقاومة في سبيل القضية الفلسطينية من دون أيّ مقابل, لأنّ هذا المحور قائم على نفس العقيدة الإسلاميّة الثابتة التي تتشترك فيها الشعوب الإسلامية في كلّ بقاع الأرض بالمقابل لم تلمس هذه الشعوب أي تدخل حقيقي في صد العدوان الإسرائيلي على غزة، بل نضف أنّ نفس الدول التي أغلقت باب المساعدات على الفلسطينيين مثل معبر رفح ولم يكتفوا بذلك بل دعموا من يقتل الفسلطينيين من المياه والغذاء مثل الخضار الذي يتم امداده يوميّاً من تركيا والأردن والنفط والغاز من دول الخليج والسلاح والذخيرة من القواعد الأميريكيّة المجاورة التي هي موجودة في نفس الدول المهزومة.
استكمالاً للإجابة على الإشكالية التي طرحناه في الأعلى من سبب قيام إيران بمساعدة ونصرة العالم الإسلامي فهل لديها أهداف غير معلنة؟ إن ما تقوم به إيران وحلفائها من دول المنطقة أهمها حزب الله الببناني الذي هو رأس الحربة الأساسيّ في المواجهة وفلسطين التي تُعتبر القلب النابض لهذه الحركات التحرريّة، بالقيام بواجباتهم العقائدية والتكليف الإلهيّ الذي ينبع من اندفاع شخصيّ تجاه الغيرة على الإسلام ومن يعاديهم والدفاع عن حقوقهم وتعلّقهم في كتاب الله والمقدسات هي الدافع الأساسيّ بل هو الفيول الذي يقوم بتغذية أرواح وعقول المجاهدين الحقّ وليس مجموعة مسلحة كما فعلت بعض الدول ونشرت الفتن والقتل. هو المحرّك الأساسي في تضحياتهم وثباتهم،نعم بالتأكيد قد يظهر لاحقاً بعض المنافع الإقتصادية وغيرها لأنه لا يجب أن ننسى أن دولة مثل إيران تعاني من العقوبات السياسيّة والإقتصاديّة منذ عقود والنقد الأجنبيّ لديها ليس بحالة جيّدة وأنّ كل هذا التسليح والتطوير والدعم هو مكلف جدا وهي ليست فواتير مستحقة تحاول إيران أخذها بل فقط للمحافظة على سير محور المقاومة ولم تطلب يوماً قرشاً واحداً أو شكراً أو أي أمر اخر,لذلك ينبغي التوضيح عن بعض مداخيل إيران من خلال معاهدات إقتصادية أبرمت بين العراق وإيران أو بين إيران والإمارات نجد أنها عملية تبادل تجاري إقتصادي وليس كما يظن البعض أنها عملية لمصلحة إيران على حساب العراق إسوة بغيرها من المعاهدات بين مختلف الدول. وليس كما تروّج له الدول المعادية للسياسة الإيرانيّة, بل إنّ دولاً مثل الإمارات تساهم في إشعال الحروب الداخليّة والنزاعات لتقوم بنهب ثروات الدول بناء على اراء الصحفيين في الصحف العالميّة مثل وال ستريت وسي ان ان وكتبنا سابقاً عن دور الإمارات في نهب ثروات السودان والتسليح وقتل المدنيين هناك بحسب المصادر المذكورة.
السؤال الأخير في مقالتنا هذه هو هل ستتمكن إيران من خلال محور الممانعة والمقاومة من مواصلة استراتيجيتها في نشر حركات التحرر والمقاومة؟ والتي نراها في الوقت الراهن فعالة من خلال صمت وتبلّد قيادة دول العالم العربي والإسلامي والمسلمين حول العالم بل وتأييدهم ومساعدة الظالم على حساب المستضعفين والمظلومين، خاصة بعد التطورات السياسية الأخيرة في غزة، وانشغال غالبية الدول العربية برفع اقتصادها وزيادة استثماراتها وعلى رأسها دول ذات ثقل إقليمي مثل مصر ,الإمارات ,الأردن والمملكة العربية السعودية التي ينظر لها العالم بأنها الراعية الأولى للإسلام والمسلمين حول العالم، وما هو مصير الدول العربية الإسلامية تجاه استراتيجية الممانعة والمقاومة؟
من خلال المعطيات السابقة لا تكمن الخطورة وراء توسع مدّ المقاومة “الشيعيّة” كما يعتبره البعض الذي بات يشكل هاجساً لدى الشعوب الإسلامية بعد عشرات السنين من التحريض السياسي والفكري والإعلامي الذي ساهم في كيّ الجزء الأكبر من وعي عالمنا العربي والإسلاميّ ككل وليس في المنطقة فحسب بل في العالم أجمع, بقدر ما أرى بأن الأساس وراء تبنّي حركات المقاومة ودعمها المطلق قد لا يكون مبني على أسس عقائدية فقط بل على أُسس مواجهة العالم الغربيّ المستكبر على رأسه الولايات المتحدة الأميريكية وانتزاع الغدّة السرطانية التي زرعوها في الشرق الأوسط والتي تُدعى إسرائيل،ونلحظ تقدماً سعوديا عبر التسريبات الصحفيّة وصلت إلى حد قال بن سلمان عن وصف سياسة المملكة الحالية في المقابلة النادرة التي أجراها مع صحيفة الإندبندنت البريطانيّة أن المملكة “تقترب كل يوم” من التطبيع مع إسرائيل، لكن معاملة الفلسطينيين تظل قضية “مهمة للغاية” يتعين حلها. فالمملكة العربية السعودية التي لطالما ترأست المشهد الإسلامي لا ترغب بأن تكون إيران هي القوة الإسلاميّة الرائدة في المنطقة، وهذا يتشابك مع مصلحة دول القوى الاستعمارية في إيجاد ثغرات تنخر بها قوى المسلمين وتؤجج صراعاتهم لتعود في كل مرة بأسباب تمكنها من التوغل في بلدانهم، والتذرع بسد الاختلالات الأمنية لضمان تحقيق الاستقرار في المنطقة والعالم، ولكن في الحقيقة هناك رغبة كامنة في نهب ثروات هذه البلدان، والتأكيد الدائم على حاجتها و تبعيتها للنظام العالمي ذو القطب الواحد، والذي تهيمن عليه في كل الأحوال الولايات المتحدة الأمريكية وداعمتها الأساسيّة بريطانيا.
بإختصار، فإن إيران تشق طريقها نحو تغيير الخارطة المذهبية في الشرق الأوسط التي بنى الإستعمار كل خططه على أساسها، وذلك من خلال الدفع بالمدّ المقاوم، والإستثمار في جماعات المقاومة للاستعمار الغربي في المنطقة والعداء العقائديّ ضد إسرائيل وداعميها الغربيين الذي هو تشابك مصالح إستراتيجية اليوم بين روسيا والصين من جهة وإيران ومحور المقاومة من جهة ثانية، وعليه إن لم تسارع دول ذات الثقل الإقليمي في المنطقة إلى تغيير إستراتجيتهم المتبعة على مدى عقود من رسم خطط وإعداد ومحاولة تغيير الفطرة الإسلامية العقائدية وتحويل الشعوب العربية إلى أدوات وأرقام لا أهمية لها أو رأي وجوديّ وحريّة تقرير العيش والمصير كما تنصّ الفطرة الإنسانيّة ,وقراءة التغييرات السياسية الجذريّة التي تشهدها المنطقة، فإنّ هذه الدول ستدخل في نفق من المتاعب اللامحدودة مع شعوبها، وقد تتراجع هذه البلدان إلى الوراء، وتفقد جزءا لا يستهان به من قوتها السياسية ونفوذها الإقليمي ومكانتها المعنوية لصالح إيران في ظل محور المقاومة والممانعة في المنطقة وعليه فإن محور المقاومة بات واضحاً أنه ذاهب إلى إنتصارات إستراتيجية تاريخية لن تغيّر وجه المنطقة فحسب بل ستغيّر الخارطة السياسية والإقتصادية العالمية والمساعمة المباشرة في إضعاف وسقوط القطب الأوحد الذي يحكم الكوكب منذ 500 عام كأنّ الدول والشعوب هم مجموعة من العبيد لا أكثر وإجبارهم بالسوط إن فشلت عملية الترغيب.