| أبوعلي الخيامي |
منذ خريف عام ٢٠١٩، دخل لبنان في دوامة اقتصادية غير مسبوقة، أطاحت بمقوّمات الاستقرار المعيشي للمواطن اللبناني. بدأت الأزمة بانهيار النظام المصرفي وتراجع الثقة بالليرة اللبنانية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أزمة شاملة طالت كافة نواحي الحياة اليومية، من الغذاء إلى الصحة والتعليم والخدمات العامة.
القدرة الشرائية تآكلت بشكل كبير، فالمداخيل لم تعد تكفي لتغطية الحاجات الأساسية، في ظلّ ارتفاع أسعار السلع والخدمات، لا سيما تلك المرتبطة بالدولار. كثير من العائلات أصبحت تعيش على الحد الأدنى، أو ما دونه، وتعتمد على تحويلات المغتربين أو المساعدات الإنسانية للبقاء.
في السوق، بات مشهد المواطنين الذين يقارنون الأسعار أو يشترون بالكميات القليلة هو السائد. التعليم الجيّد أصبح امتيازًا لا قدرة للكثيرين على تحمّله، والرعاية الصحية تحوّلت إلى عبءٍ ثقيل، حيث يواجه المرضى تكاليف باهظة مقابل خدمات لم تكن يومًا بهذه الصعوبة في الوصول.
الأزمة لم تطل الفقراء وحدهم، بل مست أيضًا بالطبقة الوسطى، التي تراجعت بشكل دراماتيكي. المهنيون، الموظفون، الأساتذة، والعمال الماهرون، وجدوا أنفسهم فجأة عاجزين عن تأمين ما كانوا يعتبرونه سابقًا بديهيات، من اشتراك الكهرباء إلى رسوم المدارس وحتى التنقل.
ورغم كل ذلك، فإن مظاهر التكيّف والمقاومة موجودة. كثيرون لجأوا إلى الأعمال الحرة أو المبادرات الصغيرة، والاقتصاد غير الرسمي توسّع كبديل، وإنْ بشكل غير منظّم. كذلك، فإن التضامن المجتمعي داخل بعض المناطق والعائلات ساهم في تخفيف الأعباء، لكن من دون أن يقدّم حلولًا مستدامة.
اليوم، يعيش المواطن اللبناني في معركة يومية مع كلفة العيش، وسط انسداد سياسي وعدم وضوح في أفق الحل. ورغم مرارة الواقع، لا يزال هناك من يتمسك بالأمل، لا عن تفاؤل ساذج، بل عن قناعة بأن التراجع مهما بلغ، لا يُمكن أن يكون نهاية الطريق.