كتب الأستاذ علي خيرالله شريف:
تقول موسوعة ويكيبيديا أن “باربي” هي دمية اخترعتها سيدة الأعمال الأميركية “روث هاندلر” التي استوحت فكرتها من الدمية الألمانية الشهيرة “بيلد ليلي” Bild lili، لتستخدمها في تسويق الأزياء التي كانت جزءاً من أعمالها التجارية. وقد تَطَوَّر دور هذه الدمية التربوي والتجاري مع الزمن إلى أن استخدمتها الدول الغربية في برامجها التربوية الموجهة وفي قصص الأطفال والصور المتحركة وفي ترويج الكثير من البضائع، وفي إشاعة الكثير من القِيَم الاجتماعية في عقول الأطفال والكبار. وللأسف الكثير من الأهل في مجتمعنا قد رَبُّوا أطفالهم على حب “باربي” وعَلَّقوهم بها وبشكلها وألوانها، حتى صاروا يقلدونها ويعشقونها ولا ينامون إلا والدمية تلك على زندهم. ويسعون إلى شراء كل المنتجات التي تصدر عن باربي وتحمل اسمها وألوانها ورموزها، من ثياب داخلية وخارجية، وقصص أطفال، وأحذية وسلع أخرى، وحتى مأكولات، إلى أن صارت هذه الدمية تشكل مصدر أرباحٍ طائلة لأصحابها وعموداً رئيسياً لاهتمامات الأطفال وأهاليهم.
ثم وصل الأمر إلى أن استخدمتها أجهزة الاستخبارات الأميركية والغربية والصهيونية في الترويج لأفكارها وفي تمرير المفاهيم التي يريدون تمريرها بين الناس من الأطفال والكبار، ثم في الحرب الناعمة والغزو الثقافي لدول العالم الثالث.
بشكلٍ عام، إن عالم الألعاب، لو استثمر التربوين والسياسيون تأثيره في الأجيال، لصنعوا به المعجزات، ولكن من أين يكون لنا دولة تضع أصحاب الاختصاص في أماكنهم المناسبة وتعرف كيف تربي أبناء شعبها؟ وقد تحدثنا مراراً مع بعض المؤثرين في مجتمعنا واقترحنا عليهم منذ حوالي عشرين سنة أن يتم تأسيس ألعاب رمزية يقومون من خلالها بإكساب الأطفال مكارم الأخلاق لإبعادهم عن خطر باربي وأخواتها، ولكن لا حياة لمن تنادي.
اليوم وصلت الوقاحة والعهر بالغرب النيوليبرالي إلى تسويق الشذوذ الجنسي عن طريق لعبة الأطفال الشهيرة “باربي”. ولعلمكم، من خلال متابعتي لإحدى القنوات الفرنسية(tv5) اكتشفت أنهم قد أدخلوا موضوع الشذوذ حتى في قاموس اللغة الفرنسية(ولا شك اللغات الأخرى أيضاً). رأيتُ ذلك في برنامج لغوي قصير يعرضونه يومياً على تلك القناة، حيث أدخلوا في القاموس أن تفسير “متزوج” هو “اقتران شخص بشخص من جنسه أو من جنس ٍآخر”، وفسروا كلمة أعزب célibataire بأنه شخصٌ غير متزوج من شخص آخر من جنسه أو من جنس مختلف. إذن هم يستخدمون القاموس لنشر الشذوذ وجعله مألوفاً وطبيعياً. وها هم ينتقلون إلى استخدام الصور المتحركة والدمى لزرع غرسهم الخبيث في نفوس الأطفال. وبما أن “باربي” هي الأكثر رواجاً بين الناس والأكثر جذباً للأطفال، فهي ستحقق لهم الانتشار السريع لشذوذهم. وفي هذا السياق أنتجوا فيلماً سينمائياً باسم “باربي” للغاية نفسها، يوزعونه على جميع أنحاء العالم لعرضه في صالات السينما. وأكثر من ذلك هم يتحضرون لفرض عقوبات على من يرفض عرضه بحجة معاداة الحرية. ووصل الفيلم إلى ذقوننا في لبنان.
لقد أحسن وزير الثقافة القاضي محمد بسام مرتضى بأن اتخذ الإجراءات اللازمة لمنع عرض هذا الفيلم في صالات السينما اللبنانية. ولكن هل هذا يكفي؟
بعض المحللين على بعض القنوات يقومون بتحليل الخبر ولكنهم للأسف يفسرون الماء بعد الجهد بالماء، وبعض وسائل الإعلام تركز على ما يقوله هؤلاء المحللون، حتى خلصوا إلى أن التشريع القانوني هو الحل الوحيد لمكافحة هذه الفحشاء، وهنا الطامة الكبرى. نعم إن الجانب القانوني هام جداً، ولكنه ليس الأهم وليس الأفعل وليس الحل الاستراتيجي الوحيد. فإذا منعنا عرض الفيلم في الصالات، هل منعنا قصص باربي وصورها المتحركة وبرامجها التلفزيونية؟ وهل منعنا القصص الصادرة باسمها، وهل منعها الأطفال من متابعة عشقها والإدمان عليها؟ وهل منعنا الأهل من الاستمرار في ابتياعها لهم؟ هناك جوانب أهم بكثير تكمل التشريع يجب تناولها، تربوية واجتماعية وثقافية وإعلامية. وهناك حاجة ماسة إلى خطط في هذا المجال، يجب أن تتضمن ما يأتي:
1. مقاطعة دمية باربي ومنع استيرادها، ومنع أي إصدارات تتعلق بها، لأنها باتت تشكل خطراً كبيراً على أطفالنا وعلى مستقبل مجتمعنا.
2. وضع خطط وإجراءات تربوية وإعلامية وثقافية وأدبية، وحتى اقتصادية، خاصةً في أدب الأطفال، تهدف إلى تأليف قصص أطفال ودُمى أطفال رمزية مبتكرة أكثر جمالاً من “باربي” وأكثر جذباً لهم، تحمل القيم الاجتماعية والأخلاقية السامية وتنشر تربية صحيحة.
3. تجريم الترويج للشذوذ الجنسي من أي كان في القوانين، وإسقاط الحصانة عن بعض النواب الذين سمعناهم وسنسمعهم يتبجحون بالدفاع عن الشذوذ والشاذين.
4. دبلوماسياً، التعميم على السفارات الغربية أن يتركونا وشأننا، ويكفوا شرهم عنا في هذا الانحطاط الذي يحاولون فرضه علينا.
بهكذا إجراءات نكون قد بدأنا رحلة الألف ميل في تحصين مجتمعنا. ولكن هيهات لهكذا حكومة أن تكون بالمستوى المطلوب لاتخاذ هكذا مواقف تحتاج الكثير من الشجاعة ومن الذكاء ومن الدقة ومن الرؤية الاستراتيجة. طبعاً إلا ما رحم ربي من بعض الوزراء والمسؤولين المخلصين.
أما الأهل، فإننا نتوجه إليهم أن يبادروا بأسرع وقت إلى حماية أطفالهم قبل فوات الأوان ويقنعوا أولادهم بخطر تلك الدمية، وأن يجدوا لهم بدائل عنها، ونُعَوِّلُ كثيراً على حسن تدبيرهم وعلى حرصهم على فلذاتِ أكبادهم المهددين بنقل الشذوذ والانحلال الأخلاقي إليهم، من البضاعة التي يوردها إلينا الغرب، وخاصة الآنسة باربي.