ترامب بين غضب صناديق الاقتراع وخيارات الحرب.. هل يتجه نحو اتفاق مع طهران لتوريط من يخلفه؟

 

د. علي حمية | خبير عسكري

هل ستؤدي خسارة الحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ إلى تهدئة اندفاع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أم ستدفعه إلى مزيد من التصعيد والصخب السياسي؟ وهل سيوجّه غضبه نحو الداخل الأميركي، بعدما شعر بأن الناخبين لم ينصفوه، أم سيجد في المواجهة مع إيران ساحة لتفريغ هذا الغضب عبر حرب مدمّرة؟

في مقاربة سلوك ترامب، قد لا تكون الدراسات الاستراتيجية والتحليلات السياسية التقليدية كافية لفهم قراراته، بقدر ما تكتسب دراسة حالته النفسية ومزاجه الشخصي أهمية أكبر في قراءة خطواته المقبلة. ومن هذا المنطلق، أعتقد أن الاحتمال الأقرب هو أن يتجه ترامب نحو اتفاق إسلام آباد مع طهران، لا بالضرورة انطلاقاً من رغبة حقيقية في إنهاء الخلافات، بل في إطار حسابات سياسية تهدف إلى تعقيد المشهد أمام الكونغرس الجديد، وكذلك أمام الإدارة التي ستخلفه مستقبلاً.

فترامب يرى، وفق حساباته الخاصة، أنه قدّم تضحيات كبيرة من أجل الولايات المتحدة، وسعى إلى تحقيق شعاره الشهير «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA)، لكنه قد يعتبر أن الناخب الأميركي لم يقدّر ما أنجزه، ولم ينصف ما يصفه بعبقريته السياسية. وهنا تبرز معادلة أساسية: المسألة بالنسبة إليه ليست مجرد التوصل إلى اتفاق مع إيران، بل كيفية الخروج من الحرب بأقل الخسائر السياسية الممكنة، وتحويل الاتفاق إلى إرث ثقيل يتركه لمن يأتي بعده.

وقد يكون الاتفاق المرتقب، إذا ما تحقق، أكثر سهولة في تسويقه سياسياً من اتفاق أوباما النووي، لكنه قد يحمل في طياته شروطاً وتعقيدات تجعل التعامل معه عبئاً على الإدارة المقبلة، وتضعها أمام استحقاقات يصعب تجاوزها أو تحمّل تبعاتها.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل سيسمح الكيان الإسرائيلي لترامب بالسير في هذا الاتجاه، أم سيعمل على دفع المنطقة نحو تصعيد جديد يجرّ الولايات المتحدة مجدداً إلى مواجهة مفتوحة مع إيران؟

أعتقد أن خيار الاتفاق بات أقرب من خيار الحرب، ليس لأن أسباب المواجهة قد انتهت، بل لأن مزاج ترامب السياسي قد يميل إلى إلقاء الأعباء على الآخرين، والخروج من المأزق بأقل كلفة ممكنة، حتى لو ترك خلفه أزمة أكثر تعقيداً لمن يخلفه.

وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد حدوث تغييرات سياسية داخل الكيان الإسرائيلي، قد يكون بنيامين نتنياهو أحد أبرز ضحاياها، بحيث يُقدَّم باعتباره المسؤول عن الإخفاقات، في محاولة لإعادة ترميم صورة الكيان أمام الرأي العام. وقد يبرز اسم غادي آيزنكوت في هذا المشهد، ليس بالضرورة لأنه أكثر قدرة من نتنياهو، بل لأنه قد يكون أقل إثارة للتوتر في علاقته مع ترامب، وأكثر ملاءمة لمرحلة إعادة ترتيب الأوراق.

إلى جانب ذلك، فإن حسابات واشنطن لا تقتصر على إيران وحدها؛ فالحرب في أوروبا، والتحديات الاقتصادية، والمنافسة الاستراتيجية مع الصين، كلها ملفات تفرض نفسها بإلحاح على الإدارة الأميركية، وقد تجعل استمرار الانخراط في مواجهة مفتوحة مع طهران خياراً مكلفاً وغير مرغوب فيه.

في المحصلة، يبدو أن ترامب يقف أمام خيارات صعبة: إما الذهاب نحو اتفاق يتيح له الخروج من المواجهة وإلقاء أعبائها على من يأتي بعده، وإما الانجرار مجدداً إلى تصعيد قد تتجاوز نتائجه حساباته السياسية. وبين هذين الخيارين، تبقى شخصية ترامب ومزاجه المتقلّب عاملاً أساسياً في تحديد المسار.

فهل يختار ترامب الاتفاق لتوريط خصومه وخلفائه، أم يترك المنطقة أمام انفجار جديد؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف إلى أين ستقود حساباته ومزاجه السياسي.