كتب محمد فلحه
تمثل زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الدكتور علي لاريجاني، إلى لبنان حدثاً سياسياً يتجاوز إطاره البروتوكولي والدبلوماسي التقليدي، ليعبّر عن موقع لبنان في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، ودور إيران في إعادة صياغة توازنات القوة في المشرق العربي. وتأتي الزيارة في لحظة حرجة يواجه فيها لبنان أزمات متعددة الأبعاد: اقتصادية، سياسية، وأمنية، تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
أولاً: البعد السياسي – تثبيت الشرعية الإقليمية للمقاومة
من زاوية العلاقات الدولية، تؤكد الزيارة على استمرار إيران في تبني نظرية محور المقاومة كأداة لإدارة التوازنات الإقليمية. فلبنان بالنسبة لطهران ليس مجرد ساحة صراع، بل جزء من منظومة استراتيجية تضع المقاومة في موقع “الفاعل غير الدولتي” المكمل لدور الدولة. وتحرص إيران، من خلال تواصلها مع القوى الرسمية اللبنانية، على إظهار أنها لا تتعامل مع لبنان ككيان هشّ، بل كدولة لها شرعية سياسية، في الوقت الذي تضمن فيه استمرار دعمها المباشر للمقاومة.
ثانياً: البعد الأمني – مقاربة الردع المتبادل
زيارة لاريجاني تحمل إشارة واضحة إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان لا يمكن فصلها عن مشروع المواجهة الأشمل بين طهران و”تل أبيب”. وفقاً لمعادلات الأمن القومي الإيراني، فإن دعم حزب الله هو امتداد لمفهوم الردع المتعدد الجبهات، بحيث يصبح لبنان جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تمنع إسرائيل من حصر المواجهة في نطاق جغرافي محدّد. هنا يمكن القول إن إيران توظّف لبنان كـ”نقطة ارتكاز متقدمة” في استراتيجيتها الدفاعية – الهجومية.
ثالثاً: البعد الاقتصادي – المقاومة في مواجهة الحصار وإعادة الإعمار
إلى جانب البعد السياسي والأمني، تعكس الزيارة محاولة إيرانية لفتح قنوات تعاون اقتصادي مع لبنان، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية والحصار المالي. ومن منظور الاقتصاد السياسي، تسعى إيران إلى تقديم نفسها كبديل جزئي للمنظومة الغربية في توفير الطاقة والمواد الأساسية، بما يخفّف من الضغوط المعيشية على اللبنانيين.
لكن البعد الأهم اقتصادياً يتمثل في طرح ملف إعادة الإعمار، لا سيما في المناطق الجنوبية التي تضررت بفعل الاعتداءات الإسرائيلية. فإيران تلمّح من خلال هذه الزيارة إلى استعدادها للانخراط في مشاريع تنموية وإعمارية طويلة الأمد، ما يمنحها فرصة لترسيخ حضورها الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، إلى جانب حضورها السياسي والعسكري. وبهذا، يتحوّل الدعم الإيراني من مجرد مساندة ظرفية إلى استراتيجية مستدامة لإعادة بناء البنية التحتية والمجتمع في بيئة المقاومة.
رابعاً: البعد الإقليمي والدولي – لبنان في قلب التنافس بين القوى الكبرى
لا يمكن فهم الزيارة بمعزل عن سياق التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران. فلبنان بالنسبة لواشنطن ساحة اختبار لمدى قدرة إيران على توسيع نفوذها خارج حدودها التقليدية. وعليه، فإن زيارة لاريجاني تُقرأ باعتبارها رسالة مزدوجة:
1. إلى الداخل اللبناني بأن إيران شريك استراتيجي طويل الأمد.
2. إلى الخارج، وتحديداً واشنطن وحلفائها، بأن أي محاولة لعزل لبنان أو الضغط على المقاومة ستقابل بتعزيز الحضور الإيراني.
خامساً: الدلالات الرمزية – الإرث والمستقبل
يحمل توقيت الزيارة دلالات رمزية مرتبطة بإرث الشهيد السيد حسن نصر الله ومكانته في الوجدان الشعبي والسياسي اللبناني والإقليمي. فإيران، من خلال هذه الزيارة، تعيد التأكيد على أن مشروع المقاومة مستمر، وأن غياب القيادات لا يعني نهاية الاستراتيجية، بل هو حافز لإعادة إنتاجها وتثبيتها في بنية النظام الإقليمي.
وفي بُعدٍ رمزي لافت، توقّف موكب الدكتور علي لاريجاني عند مدخل طريق المطار حيث احتشد عدد من أبناء الضاحية الجنوبية لاستقباله. وقد ترجل من سيارته ملوّحاً بيده ومقدّماً التحية المباشرة للحشود الشعبية، في مشهد عكس رغبة إيرانية واضحة في توجيه رسالة وجدانية تؤكد أن العلاقة مع لبنان ليست محصورة في المؤسسات الرسمية أو اللقاءات الدبلوماسية، بل تمتد إلى القواعد الشعبية الحاضنة للمقاومة.
والأهم أن لاريجاني اختار القيام بهذه الخطوة في ظروف أمنية حساسة يعيشها لبنان، ليؤكد من خلالها أن أمنه الشخصي ليس أكبر من أمن بيئة المقاومة ولا منفصل عنها. بهذا السلوك، أراد أن يُظهر أن الحماية الحقيقية لا تتحقق عبر الموكب أو التدابير الأمنية، بل عبر الثقة المتبادلة مع المجتمع الذي يشكّل العمق الاستراتيجي للمقاومة.
خاتمة
يمكن القول إن زيارة علي لاريجاني إلى لبنان تمثل حدثاً استراتيجياً متعدّد الأبعاد، يعكس إدراك إيران لأهمية لبنان في معادلة الأمن الإقليمي. ومن منظور أكاديمي، تعكس الزيارة تداخل أدوات القوة الصلبة (الدعم العسكري والأمني) مع أدوات القوة الناعمة (التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار)، في إطار ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية المركّبة”. وبالتالي، فإن هذه الزيارة ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل هي تعبير عن ثبات الاستراتيجية الإيرانية في المشرق، وإصرارها على تحويل لبنان إلى ركيزة أساسية في مشروعها الإقليمي.