| د. علي حمية | خبير عسكري
لبنان * اسرائيل * حزب الله*
بيروت، 19 مايو – ريانوفوستي. رأى الخبير العسكري والإستراتيجي الدكتور علي حمية أن استخدام حزب الله للمسيرات ال (اف بي في) التي تعمل بالألياف الضوئية هي وفقاً للحاجة الميدانية فقط، لافتاً إلى أنه لا نقص في المخزون العسكري والذخيرة لدى حزب الله حالياً.
وقال الدكتور حمية، اليوم الثلاثاء، في حديث لريا نوفوستي إن” اعتماد حزب الله على المسيّرات الصغيرة من نوع (اف بي في) المعتمدة على الألياف الضوئية كخيار ميداني فرضته طبيعة المعركة الحالية، وليس نتيجة نقص في القدرات أو الذخائر. فالمعركة الدائرة على امتداد القرى والمرتفعات الجنوبية لا تشبه ساحات الحروب الكلاسيكية التي تُستخدم فيها كثافة نارية عالية وصواريخ ثقيلة بصورة مستمرة، بل هي أقرب إلى “حرب تماس” معقّدة، تتواجد فيها قوات متقاربة ضمن مساحات ضيقة ومتشابكة”.
وأوضح أن” وجود قوات إسرائيلية ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، مع غياب احتلال شامل وثابت لكامل المنطقة الحدودية، يجعل استخدام الأسلحة الثقيلة أو الصواريخ التكتيكية المتوسطة أمراً محدود الجدوى أحياناً، بسبب احتمالات التداخل الميداني وسرعة تبدل مواقع الاشتباك. ولذلك، فإن المسيّرات الصغيرة الدقيقة تمنح المقاتلين قدرة أعلى على الرصد والاستهداف المباشر مع تقليل حجم الأضرار الجانبية، إضافة إلى صعوبة التشويش عليها عندما تعمل عبر الألياف الضوئية بدلاً من البث اللاسلكي التقليدي”.
ورأى أن هذا النمط من القتال يعكس أيضاً تحوّلاً أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت الطائرات الصغيرة الانتحارية وأدوات الاستطلاع الدقيقة تلعب دوراً محورياً يفوق أحياناً دور المدفعية الثقيلة. وقد أظهرت المعارك الأخيرة، أن المسيّرات منخفضة الكلفة تستطيع إرباك جيوش نظامية متقدمة عبر استهداف النقاط الحساسة والتحركات الميدانية الدقيقة.
وأكد أنه في المقابل، تواجه إسرائيل واقعاً عسكرياً معقداً على الأراضي الجنوبية اللبنانية. فالقوات الإسرائيلية، رغم تفوقها الجوي والتكنولوجي، تجد نفسها أمام بيئة قتالية صعبة تتسم بالطبيعة الجغرافية الوعرة وكثافة القرى والغطاء النباتي، فضلاً عن شبكة التحصينات والمرونة التي تعتمدها المقاومة في الحركة والتمويه. ولذلك، تبدو العمليات الإسرائيلية الحالية أقرب إلى محاولات احتواء واستنزاف وضربات موضعية، بدلاً من تثبيت احتلال بري واسع وطويل الأمد.
ولفت إلى أن” استمرار الاستنزاف اليومي يفرض تحديات متزايدة على الجيش الإسرائيلي، سواء من ناحية الجهوزية أو الكلفة الاقتصادية والعسكرية أو الضغط الداخلي الناتج عن طول أمد المواجهة. فالمعركة الحدودية المفتوحة تستنزف الموارد وتُبقي حالة الاستنفار قائمة على امتداد الجبهة الشمالية”.
ورأى أن الحديث عن استخدام المسيّرات الدقيقة لا يعني تراجعاً في القدرات الصاروخية الثقيلة أو الاستراتيجية، بل العكس تماماً. المقاومة تحتفظ بجزء كبير من ترسانتها بعيدا عن الاستخدام اليومي، ضمن سياسة “الاحتفاظ بعناصر القوة الكبرى” تحسباً لأي توسع إقليمي أو مواجهة شاملة قد تفرض تغييراً جذرياً في قواعد الاشتباك.
وأشار إلى أن عمليات تطوير الأسلحة التكتيكية داخل حزب الله مستمر، بما في ذلك تحديث بعض الصواريخ المضادة للدروع ومنها “الماس3” لتوسيع قدراتها تجاه الأهداف الجوية المنخفضة الارتفاع مثل المروحيات والطائرات المسيّرة. ويعكس ذلك توجهاً نحو بناء منظومات ميدانية أكثر مرونة قادرة على التعامل مع التطور التكنولوجي الإسرائيلي المستمر.
وختم الدكتور بأنه في المحصلة، تبدو الجبهة الجنوبية اللبنانية اليوم أمام نموذج جديد من الحروب: حرب منخفضة الإيقاع سياسياً، لكنها عالية التعقيد ميدانياً وتقنياً. معركة تُدار بأدوات دقيقة، وضمن سقوف محسوبة، فيما يحتفظ كل طرف بأوراقه الاستراتيجية الكبرى تحسباً للحظة قد تتغير فيها قواعد اللعبة بالكامل.