بقلم علي خيرالله شريف
تسع مرات كرَّرَ جوزيف أبو فاضل عبارة ما “فيي” و “ما فينا” خلال ٣٧ ثانية. “ما فيه” الأستاذ جوزيف يعيش مع المسلمين، وخاصةً الشيعة. مع أنه منذ أشهر كان “ما فيه يعيش بلاهم”، وكان دائماً “حاضر ناضر” على شاشة الم-نا-ر وعلى أثير إذاعة النور. لماذا انقلب الأستاذ جوزيف وصار “ما فيه يعيش معنا”؟
يجيب هو قائلاً: لأنهم عندهم خمس مرات صلاة يومياً، وعندهم عاشوراء وعندهم رمضان وعندهم مناسبات كثيرة… لذلك “ما فينا” نعيش معهم… ثم يستدرك جوزيف أنه كجوزيف أبو فاضل “ما فيه يعيش معهم” وليس كمسيحيين “ما فيهم”. اليوم ربما أصبح فجأةً شرط جوزيف، لكي يُحبنا، أن نترك الصلاة، ونلغي شهر رمضان، ونُحَوِّل عاشوراء إلى كرمس، ونُلغي ما عندنا من مناسبات.
طبعاً قبل اليوم، ومنذ فترة غير طويلة، كنا نستمتع برؤية السيد جوزيف على شاشة ال_من_ار باستمرار، حتى ظننا أنه يسكن في شقة مقابلة لمبنى ال-من-ار. وكنا نسمعه دائماً يمدح بالقناة وبالشيعة وبالحزب وبالضاحية والجنوب إلى درجة أن من لا يعرفه كان يظنه أحد كوادر الحزب. وفجأةً رأيناه ينتقل بدفء محَبَّتِهِ إلى قناةٍ قواتية الهوى وتقسيمية الطموح.
لم يكن كلام جوزيف أول مفاجأة نراها منه، فقد كان من أشد المؤيدين للعماد ميشال عون وللتيار الوطني الحر، ومن أشد المدافعين عن ورقة التفاهم بين الحزب والتيار، وفاجأنا أن انقلب منذ أشهر ضد العماد عون وضد التيار، وسقطت ورقة التفاهم من قصائده.
لن ندخل في تحليل طموحات الأستاذ أبو فاضل من وراء هذا الانقلاب، ولن نسأله إن كان عنده أصدقاء في السفارات، بل نقول تصوروا لو أصبح “وفاء” جوزيف أبو فاضل بعلاقاته، “موضة دارجة” بين اللبنانيين وذا طموحات انفصالية، وتصوَّروا أن يخرج الشيعة والسنة في لبنان ويُعلِنُوا عن عدم تحملهم سماع قرع أجراس الكنيسة، وعدم تحملهم رؤية احتفالات المسيحيين بأعياد الفصح والميلاد والشعنينة ومار مارون وأعياد السيدة العذراء ومار شربل والبربارة وعيد جميع القديسين، وغيرها من المناسبات المسيحية العديدة جداً، والتي نحترمها جداً. تصوروا أن يحصل هذا، ويتجه المجتمع إلى حرب عقائد ومذاهب ومناسبات ومزايدات؟
أليس المستفيد الأول من ذلك هي الجهة التي تعمل على تقسيم لبنان؟ أليست هذه الجهة هي التي تُقَسِّمُ السودان وتُدَمِّرُ ليبيا وسوريا والعراق وباقي الدول العربية؟ بل أليست هي نفسها الجهة التي اقترحت على المسيحيين عام ٢٠٠٦ النزوح من لبنان إلى أوروبا وأميركا؟
لم نكن نُحِبُّ أَن نَرُدَّ عَلى السيد جوزيف أبو فاضل في إرهاصاته تلك، ولكن حرصاً منا على عدم ترك تلك الإرهاصات تصول وتجول عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، بين الأجيال اللبنانية الـمُصابة أساساً بافتقار مدارسها للتربية الوطنية، وبانعدام السياسات التربوية الهادفة إلى توحيد الوطن بِطوائفه ومذاهبهِ وتَنَوُّعِه. ولأن تلك الإرهاصات تُمَثِّل الجهات التي تقف وراء القناة التي دغدغ كلام السيد أبو فاضل أحلامَها بقصدٍ أو بغير قصد.
إن نظرية جوزيف أبو فاضل في التربية الوطنية التي تقول “ما فينا نعيش معهم”، تتناقض تماماً مع النظرية التي أنشأنا عليها الإمام السيد موسى الصدر القائلة أن “العيش المشترك الإسلامي المسيحي في لبنان هو ثروة يجب التمسك بها”، بكل تنوعها وطوائفها وشهور صيامها ومناسبات الأنبياء والأئمة والقديسين فيها. ونحن مع نظرية القائد الوطني الكبير الإمام الصدر، ولسنا مع نظرية إعلامي يفتش عن أحلامه التي لا تتعدى حجمه.