هل بقي للعمال عيد؟

بقلم علي خيرالله شريف

 

لا ثياب عيد ولا مظاهر احتفالية ولا راحة من حماقات الحكام، عيد العمال هذا العام مر عليهم وهم بأسوأ حال، يقفون على مشارف انهيار الوطن. كلنا عمال في ميادين متفرقة، ف”رَحِمَ اللهُ مَن عَمِلَ عَمَلاً فَأَتقَنَهُ” كما يقول الرسول العربي(ص)، وَرَحِمَ الله عُمَّالَنا من كَيدِ الحكومات التي تُتقِنُ سرقة جنى أعمارهم.

حكوماتنا اللبنانية تعيشُ في أبراجٍ عاجية، منفصلة عن الناس ومتصلة بكل ما هو خارج الحدود، باستثناء الحكومات الحقيقية من أمثال حكومات الدكتور حسان دياب والدكتور سليم الحص. فمثلاً، يَنصَبُّ حالياً اهتمام حكومة السيد نجيب ميقاتي على مطالب صندوق النقد الدولي وشروطه لكي يوافق على إقراضنا وزيادة مصائبنا، وعلى زيادة الضرائب على العمال والمساكين والفقراء. ثم يخرجُ علينا الميقاتي بكلامٍ إنشائيٍّ يُوجِّهُهُ للعمال، مرصوفٍ بعواطف مشكوك في مصداقيتها، ولا يمكن تصريفها لا في حكومة تصريف الأعمال ولا في كل المصارف وشركات الصيرفة.

هذه الحكومة وشبيهاتها من الحكومات السابقة، ضربت العامل في صميمه وكيانِه، فسحقت كُلَّ مقوماتِ حياتِه، وأذابت راتِبَه، وأوقعت مؤسسة الضمان الاجتماعي والصحي في الإفلاس. نعم، ضربوا المؤسسة التي كانت ترعاه وتوفر له الأمن الاجتماعي والصحي وأمان نهاية الخدمة، ولا يُستَبعَدُ أن يكون في جُعبتِهِم خططاً جاهزة لتأسيس شركات تأمين خاصة تحل محل الضمان الاجتماعي يفرضونها على العمال والمواطنين كافة.

لقد ضربوا مستقبل أولاد العامل تربوياً وتعليمياً ومهنياً، في حين يعيشُ أولادُهُم خارج لبنان بأقصى حالاتِ التَرَفِ والرخاء. وعندما نقول العامل، لا نستثني، المعلمين والأساتذة الجامعيين وأصحاب المهن من أطباء وممرضين ومحامين ومزارعين ومهندسين وغيرهم. لقد أعدموا طبقة متوسطي الدخل وأصبح اللبنانيون طبقتين: طبقة فقيرة هي المجتمع كَكُل، وطبقة الأثرياء من القراصنة والسارقين وتجار المخدرات والموت…

يقول جبران خلیل جبران أن بُناة الوطن ثلاثة؛ معلمٌ يربيه، وجندي يحميه، وفلاح يُغَذِّيه.. فماذا سيقول جبران لو عَلِمَ أن وَطَنَهُ لبنان قد سَحَقَ الثلاثةَ مَعاً، وبات يمشي بقدميه نحو الدمار بدل البناء؟ المعلِّم بات هائماً على وجهه لا يدري كيف يعلِّم ويُرَبّي وهو يرى راتبه لا يكفيه أجرة نقله إلى المدرسة، ولا يكفيه لشراءِ سلَّةِ خضارٍ أو فاكهة، ويرى مسؤوليه المتسلطين على الدولة لا يعبأون بقطاع التربية والتعليم ولا يعرفوت كيفية وضع سياساته ولا كيفية مراقبته ولا كيفية تطويره، ويتركون القطاع أشبه بدكاكين وامبراطوريات ودويلات تربوية دون حسيب ولا رقيب. والتلامذة تائهون في اللا دولة واللا تربية وتعليم واللا مستقبل واللا أمان على كل الأصعدة. والجندي بات وضعه يُدمي القلب، يُصارِعُ شَظَفَ العيش، وهو يرى أطفاله محرومين أمامه من العيش بكرامة. وبرغم ذلك يُبقي رأسه مرفوعاً، لا ينحني للذل، ويتصدَّى للفلتان الأمني بِشَحيحِ الإمكانيات، ويقبض على وحدة الوطن كالقابض على الجمر، فيدفع من أجلها دمه وحياته بصمت وصبرِ وحكمة.

أما الفلاح فحدث ولا حرج، فقد أصيبت أراضيه بالعُقم، واحترقت خصوبتُها بالأسمدة الفاسدة وباهظة التكاليف، وكسدت منتوجاته ويَبِست بساتينه من فوضى الاستيراد، وتنصلت دَولتُه من المسؤولية اتجاهه واتجاه مصلحة الوطن.

نقابات العمال والفلاحين والـمُوَظَّفين في لبنان، تراهُم لا يبرعون إلا بالمطالبة بزيادة الرواتب، وهنا بيت الداء، حيث أصبحت مطالبها كقصة إبريق الزيت أو كقصة البيضة والدجاجة، أيهما سبقت الأخرى. فلو تطوَّرَ حِراكُهُم إلى المطالبة بزيادة الخدمات الصحية والاجتماعية والتربوية بدل زيادة الرواتب، وإلى تطوير وسائل النقل لكي تكون أكثر حداثةً وأقل كلفةً وأكثر احتراماً للإنسان وللوقت، لأدَّت تلك الخدمات إلى تَخَفيض كلفة الحياة واستغناء العامل عن المطالبة بالزيادات. للأسف، الحكومة عندما تلبي مطالبهم، لا يظهر في تلبيتها أيُّ بعد نظر، فترتفع أسعار السِلَعِ والخدمات كافة، ثم تَعودُ النقابات إلى نفس المطالب بزيادة الأجور، وتعود نفس الدوَّامة برفع الأجور ورفع الأسعار، ويزداد التضخم، وتنخفض قيمة الليرة وتذوب القدرة الشرائية للمواطن… وهكذا تزداد مجدداً كلفة الحياة ونُسرعُ الخُطى نحو الانهيار، وتقف الحكومة عاجزة عن عمل أي شيء، وعاجزة حتى عن التفكير، بل وممتنعة عنه اتكالاً على صندوق النقد الدولي الذي يفكر عنها ويُملي عليها شروطَه وأوامرَه وفرماناته، وطبعاً هو لا يفكر إلا بمصلحته التي غالباً ما يكون فيها دمارُنا.

كل عام نتمنى للعمال أن يكونوا بألف خير، وكل اللبنانيين هم عمال يبحثون عن الخير المفقود، ولكنهم للأسف ليسوا مواطنين، لأنهم محرومون من أدنى حقوق المواطنة، وحكومتهم لا تبحث عن الإيرادات الا في جيوبهم الفارغة وأمعائهم الخاوية، وهذه مأثِرَةٌ تُضاف إلى سيرتِها البعيدة عن أي استراتيجيات اقتصادية ومالية وانتاجية يُفترض أن تُؤَمِّنَ للمواطن فرص العمل ورغد العيش، وربما بعض الخير.