بقلم علي خيرالله شريف
“سَنَعبُر قَسَمَاً سَنَعبُر”، هذا كان عنوان المناورة، وهي تحمل رسائل فائقة البلاغة وواضحة الدلالة ومتعددة الاتجاهات. ومن ظلال سياجها الوطني شاهق الارتفاع يمكننا تعداد بعض تلك الرسائل:
رسالة إلى العدو بأن لبنان قد أضحى عَصِيّاً على التهديد، ولن تُنتَهَكَ بعد اليومِ أرضُه ولا سماؤه ولا ماؤه، ولن تُتركَ ثرواتُهُ تُسرَق. ورسالة ثانية إلى العدو أن فلسطينَ لن تكون وحدها بعد اليوم، ولم نَعُد في موقع الدفاع، بل نضجنا وكَبُرنا أكثر مما تتصوَّر، وعليكم شدُّ أحزمة الرحيل.
ورسالة إلى القمة العربية تؤكِّد أن إبرةَ البوصلة تتجه نحو فلسطين وليس نحو الحدود الروسية الأوكرانية. والأجندة هي في قلب غزة وليس في مفكرة زيلينسكي ورُعاتُه من رعاة البقر والخنازير.
ورسالة إلى الداخل اللبناني تفيد أن ها هنا يصُبُّ اهتمام الم_قا_و_مة، وليس في أية مهاترات داخلية، “فلا أعداء للم_قا_ومة في الداخل اللبناني”، وكُلُّ من يثرثر على الشاشات ويُغَرِّدُ على وسائل التواصل وعلى صفحات الصحف والمواقع الالكترونية، عليه أن يُعيد حساباتِه ويُفَرملَ عَداواتِهِ الداخلية، ويعلمَ أنه ليس في حسابات هؤلاء الرجال الرجال إلا شريكاً في الوطن، وقد حان الوقت أن يعودَ عن ضلاله وقلوبُ الرجال مفتوحة لعودته. وتفيد أيضاً أن لبنان ما زال تحت الخطر، والمق_او_مة على الزناد، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا تنتظر التحرير، كما يحتاج لبنان الحماية والتحصين واستنقاذ الثروات المدفونة تحت البحر وتحت مطامع القراصنة.
هي مناورة رمزية فقط لا غير، لم يشارك فيها إلا غيضٌ من فيض القوة القاهرة الدقيقة الهادفة الفاعلة، وما خفي كان أعظم. لقد أدهشتهم بكل تفاصيلها وتجهيزاتها وأسلحتها وطائراتها الـمُسَيَّرة، وحتى بكاميرات إعلامها الحربي الدقيق، أدهشَتهم أنها لم تُظهِر كُلَّ ما لديها. أدهشتهم الدِقة في التهديف وفي التصويب، مع أنها لم تستعمل أسلحتها الدقيقة. فكل هذا الإبداع في الفعالية والمهارة والشجاعة والثقة بالنفس، ليس سوى نماذج رمزيَّة.
ما أعظم الحدث، وما أعظم المناسبة!
هذا هو العيد الحقيقي، وكل ما عداه انتحالُ صِفَة، وفاقدٌ للمعنى والدلالات. 25 أيار هو العيد وهو الاستقلال… فتعالوا نسأل كُلَّ لبنانيٍّ حُر، ونطلب منه أن يبوحَ بلواعج كرامته ووجدانه دون مجاملة ولا مداراة، بعيداً عن المواويل الفولكلورية. هذا هو العيد الذي نتذوَّق طعمَه الحقيقي بوصفةٍ لبنانية صافية غير مستوردة.
ففي عيد العمال، يبتسم العامل ابتسامةً “صفراوية” ويتمتم في السرِّ والعلانيَّة، ما يُعَبِّرُ عن استهزاء واستغرابٍ لتسميةِ “عيد”. وفي عيد الاستقلال، يتلفت كلُّ ذي عقلٍ حوله باستهجان، خاصةً عندما يشاهد على الشاشات، عروضاً وإقفال طرقات، وأكاليل ورود وخطابات، وأغنياتٍ وطنية وحفلات؛ فيهز رأسه حسرةً على التباس الأمور لدى البعض، وكُلُّ السفارات والبعثات تلعب بمصيرنا وتأخذ دوننا القرارات، وترمي استقلالنا خلف ظهرها، وتقهقه سخريةً منا ومن أعيادنا وبساطة تفكيرنا.
فقط نعرف طعمَ الحقيقة عندما يطل عيد الم_قا_و_مة والتحرير في 25 أيار، وعندما يَمثُلُ أمامنا فجر الجرود وملاحِمُ البطولة في السلسلة الشرقية. فيهما نُحِسُّ بلذة الإنجاز، وَبِفَخرِ الانتصار وحقيقة الاستقلال. فقط فيهما، نشعر أننا صنعنا تاريخاً جديداً بمعزل عن السفراء والمفوضين السامين والمبعوثين..
نعم هناك دولة ساعدتنا، وهناك دولة ساندتنا حتى وصلنا إلى صناعة العيد، ولكن لم يكن هناك دولة قررت عنا؛ بل نحن قررنا، ونحن قدَّمنا الشهداء، ونحن فزنا وانتصرنا. لم يكن ذلك فقط في طرد العدو المحتل، بل إن انتصارَنا صَنَعَ السلام والهدوء في كل الجنوب وفي كل لبنان، وَجَعَلَنا نتنزَّهُ على حدود فلسطين بأمنٍ وسلام، ونَسبَحُ في مياه الوزاني باطمئنان، ونُصلِّي في مساجدنا وكنائسنا على امتداد الوطن. وانتصارُنا نشر في سماء لبنان قُبَّةً أقوى من الحديدية، تُحَصِّنهُ وتَدُبُّ الرُعبَ في قلبِ عدوِّهِ إن فكَّرَ في أَذِيَّتِه. وانتصارُنا رفع سور حدودنا الشرقية وحمى لبنانَ من سكاكين الإرهاب، وحَرَّمَ عليهِ أن يلتفِتَ نحو حدودنا وما بعد بعد الحدود.
25 أيار هو عيدُ استقلالنا، وعيدُ جلاء العدوِّ عن أرضنا، ويبقى علينا أن نُتَوِّجَ هذا العيد ببناءِ دولةٍ حقيقيةٍ مُطَهَّرَةٍ من الفساد ومن الفاسدين، لا يحكُمُها الموتورون والطائفيون والتقسيميون والتوريثيون والسارقون، دولةٍ ترتقي إلى مستوى هذا العيد وإلى مستوى معانيه وإلى مستوى الفخر الذي أوصلنا إليه، يحكُمُها النزيهون والمستقيمون وأصحاب الكف النظيف القادرون على السير بالوطن والمواطنين نحو بر الأمان ونحو التقدم والازدهار ونحو اللاطائفية والعدالة الاجتماعية الحقيقية. وكلُّ ما عدا ذلك تقليدٌ مَبنِيٌّ على باطل، وكُلُّ ما بُنِيَ على باطل فهو باطل.
في عيد الـمقاومة والتحرير، عاش لبنان سيداً حراً مستقلاً، وعاشت مناورة المقاومة والتحرير، رمزاً للحرية والسيادة والاستقلال، وعنواناً للقُوَّة التي تُحَصِّنُ الوطن من كل العابثين والمتدخلين والمعتدين، ومن كلِّ شيطانٍ رجيمٍ.