الضربة الإيرانية: حين انتصرت المصداقية على حسابات التردد

 

كتب: د. جواد عبد الوهاب:

لم تكن الضربة الإيرانية الأخيرة مجرد رد عسكري على اعتداء إسرائيلي، بل كانت حدثاً سياسياً واستراتيجياً حمل رسائل عميقة إلى المنطقة والعالم. فبعيداً عن حجم الضربة أو نتائجها المباشرة، تكمن أهميتها في أنها أثبتت أن إيران التزمت بما أعلنته مسبقاً، ونفذت تهديداتها رغم الضغوط الهائلة التي كانت تدفع نحو التراجع أو الاكتفاء بالإدانات السياسية.

على مدى سنوات، سادت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية فرضية مفادها أن إيران تستخدم حلفاءها وأوراق نفوذها الإقليمية كأدوات تفاوضية يمكن التخلي عنها عند أول اختبار جدي. لكن التطورات الأخيرة وجهت ضربة قوية لهذه الفرضية. فحين تعرضت الضاحية الجنوبية للاعتداء، كان بإمكان طهران أن تتذرع بحساسية المفاوضات الدولية أو بالأوضاع الاقتصادية الصعبة أو بالمخاطر الأمنية الناتجة عن أي تصعيد. إلا أنها اختارت مساراً مختلفاً، مؤكدة أن التزاماتها السياسية والاستراتيجية ليست مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.

في الكيان الاسرائيلي، بدا أن التقدير السائد كان يقوم على أن إيران لن تذهب إلى رد مباشر خوفاً من التداعيات المحتملة. وقد ولّد هذا الاعتقاد شعوراً بالاطمئنان لدى صناع القرار هناك بأن بإمكانهم رفع مستوى الضغط من دون دفع ثمن ملموس. إلا أن الرد الإيراني جاء ليكسر هذه المعادلة، وليؤكد أن حسابات الردع لا تُبنى على النوايا المفترضة، بل على الأفعال الفعلية.

أما في واشنطن، فقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام واقع جديد. فمن جهة، هي معنية باستمرار المسارات الدبلوماسية وتجنب الانفجار الإقليمي، ومن جهة أخرى لا ترغب في الانجرار إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق. ولذلك بدت الولايات المتحدة حريصة على احتواء الموقف ومنع تحوله إلى حرب مفتوحة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لتعقيدات المشهد الإقليمي وحدود القدرة على التحكم بمساراته.

وفي عواصم المنطقة، عاد شبح الحرب الإقليمية إلى الواجهة. غير أن الرسالة الأبرز لم تكن الخوف من التصعيد بحد ذاته، بل إدراك أن قواعد الاشتباك لم تعد كما كانت. فإيران أظهرت استعداداً لتحمل أثمان سياسية واقتصادية وأمنية من أجل تثبيت معادلات تعتبرها أساسية لأمنها ومكانتها الإقليمية.

إن ما حدث لا يمكن اختزاله في كونه مجرد رد عسكري عابر، بل يمثل دليلاً على أن القيادة الإيرانية قرأت موازين القوى وردود الفعل الدولية والإقليمية بطريقة منحتها الثقة لاتخاذ قرار شديد الحساسية. وقد يختلف المراقبون حول النتائج النهائية لهذه السياسة، لكن من الصعب إنكار أن طهران نجحت في إثبات عنصر بالغ الأهمية في العلاقات الدولية: المصداقية.

فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من قدرات، بل أيضاً بمدى استعدادها لاستخدام تلك القدرات عندما تتعرض مصالحها أو حلفاؤها للاعتداء. ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن القول إن الضربة الإيرانية لم تكن مجرد رسالة إلى إسرائيل، بل كانت رسالة إلى المنطقة بأسرها مفادها أن طهران لا تزال ترى نفسها لاعباً قادراً على المبادرة وفرض معادلاته، لا مجرد طرف يكتفي بردود الفعل أو ينتظر ما يقرره الآخرون. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، تبقى المصداقية السياسية والقدرة على ترجمة المواقف إلى أفعال من أهم عناصر النفوذ والتأثير، وهو ما سعت إيران إلى تأكيده من خلال هذه العملية التي أرادت لها أن تكون إعلاناً واضحاً بأن حساباتها الاستراتيجية لا تُدار بمنطق التردد، بل بمنطق تثبيت الردع وحماية الحلفاء وصون مكانتها الإقليمية.