| فراس فرحات | كاتب وباحث سياسي
في خطوة سياسية تحمل دلالات تتجاوز حدود حزب بريطاني واحد، أقرّ حزب الخضر في إنجلترا وويلز خلال مؤتمره السنوي في مدينة برايتون قرارًا يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، في تطور يعكس تبدّلًا واضحًا في جزء من المزاج السياسي الغربي تجاه القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
القرار، الذي أُقرّ بأغلبية 1022 صوتًا مقابل 813، لم يكن مجرد توصيف سياسي للصهيونية، بل تضمّن رؤية أكثر جذرية تجاه مستقبل فلسطين، إذ اعتبر الصهيونية مشروعًا سياسيًا إثنو-قوميًا يمنح امتيازات لمجموعة إثنية على حساب مجموعات أخرى، مع تأكيد الحزب أن موقفه يستهدف الأيديولوجيا والممارسة السياسية للصهيونية، وليس اليهود كجماعة دينية أو إثنية.
لكن الأهم سياسيًا هو أن حزب الخضر لم يكتفِ برفض الصهيونية وفق تعريفه، بل تبنّى رؤية تقوم على إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل فلسطين التاريخية، مع ضمان حقوق متساوية لجميع من يعيشون فيها.
وهنا تكمن أهمية القرار…
فنحن أمام انتقال في النقاش من سؤال «كيف يمكن إدارة الصراع؟» إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي ينبغي أن يحكم أرض فلسطين التاريخية.
وهذا الطرح، بصرف النظر عن مدى إمكانية تطبيقه سياسيًا، يشكل تحديًا مباشرًا للسردية التي نجحت إسرائيل لعقود في ترسيخها داخل قطاعات واسعة من الغرب، والتي تقوم على اعتبار قيام الدولة الإسرائيلية أمرًا خارج دائرة النقاش، فيما يبقى الخلاف محصورًا في حدود الدولة الفلسطينية وشكل التسوية.
لم يكن مفاجئًا أن يأتي الرد الإسرائيلي سريعًا وحادًا.
فقد هاجمت وزارة الخارجية الإسرائيلية قرار حزب الخضر، معتبرة أنه يتجاوز حدود النقاش السياسي المشروع، واتهمت الحزب بتبنّي موقف يمنح، وفق الرواية الإسرائيلية، شرعية لما تصفه بـ«الكفاح المسلح» ضد إسرائيل.
كما اعتبرت الخارجية الإسرائيلية أن الدعوة إلى دولة واحدة على كامل فلسطين التاريخية تمسّ بمبدأ تقرير المصير لليهود، ودعت الأحزاب البريطانية، وعلى رأسها حزب العمال، إلى رفض القرار.
لكن اللافت في الموقف الإسرائيلي ليس فقط مضمون الاعتراض، بل درجة الحساسية تجاه انتقال هذا النوع من الطروحات من الشارع إلى المؤسسات السياسية.
فإسرائيل تستطيع التعامل مع مظاهرة في لندن أو حملة شعبية في جامعة أو موقف ناشط سياسي باعتبارها جزءًا من الحراك العام.. أما عندما تتحول هذه الأفكار إلى قرارات رسمية داخل حزب سياسي، وتصبح جزءًا من برنامجه السياسي، فإن المسألة تأخذ بُعدًا مختلفًا.
وهنا تحديدًا يمكن فهم حدة الرد الإسرائيلي.
الخلاف لم يعد حول غزة فقط..
من الخطأ النظر إلى قرار حزب الخضر باعتباره موقفًا منفصلًا عن التحولات التي شهدتها الساحة الغربية خلال السنوات الأخيرة.
الحرب على غزة وما رافقها من صور الدمار والضحايا، إلى جانب تصاعد النقاش حول الاستيطان والاحتلال وحقوق الفلسطينيين، دفعت قطاعات سياسية وشعبية غربية إلى إعادة طرح أسئلة كانت لفترة طويلة شبه محرمة سياسيًا.
ولم يعد النقاش مقتصرًا على كيفية إنهاء الحرب أو إدخال المساعدات الإنسانية، بل بدأ يتوسع ليطال طبيعة المشروع الصهيوني نفسه، وحدود الدولة الإسرائيلية، وحقوق الفلسطينيين، وشكل الحل السياسي الممكن.
وهذا التحول هو الأكثر إزعاجًا لإسرائيل؛ لأن المعركة هنا لم تعد فقط على الأرض، وإنما على مستوى الرواية السياسية والأخلاقية التي حكمت العلاقة بين إسرائيل والغرب لعقود.
من هنا، يصبح السؤال أكبر من حزب الخضر نفسه: إلى أي مدى تستطيع الحكومة البريطانية الاستمرار في التعامل مع التحولات داخل الرأي العام والأحزاب البريطانية باعتبارها مجرد مواقف هامشية؟
وبالتالي، فإن قرار حزب الخضر قد لا يؤدي مباشرة إلى تغيير السياسة البريطانية، لكنه يساهم في توسيع حدود النقاش السياسي داخل بريطانيا، ويمنح القوى التي تنتقد إسرائيل والصهيونية مساحة أكبر لطرح رؤيتها داخل المؤسسات الحزبية.
ما يحدث اليوم في الغرب لا يعني بالضرورة أن إسرائيل فقدت نفوذها السياسي، ولا يعني أن حل الدولة الواحدة أصبح مشروعًا قابلًا للتنفيذ في المدى القريب. لكن المؤكد أن هناك تحولًا مهمًا في طبيعة النقاش.
فالقضية الفلسطينية لم تعد بالنسبة إلى قطاعات متزايدة من المجتمعات الغربية مجرد ملف دبلوماسي أو نزاع حدودي ينتظر تسوية بين طرفين، بل أصبحت قضية مرتبطة بالاحتلال والحقوق والمساواة والعدالة السياسية.
ومن هنا، فإن قرار حزب الخضر يحمل دلالة تتجاوز عدد الأصوات التي أقرته داخل قاعة المؤتمر.
المعركة التي تخوضها إسرائيل اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الرواية أيضًا. وكلما انتقلت الأسئلة المتعلقة بالصهيونية وحقوق الفلسطينيين من الشارع إلى الأحزاب والمؤسسات السياسية، أصبحت قدرة إسرائيل على إبقاء النقاش ضمن الحدود التقليدية أكثر صعوبة.
قد يكون قرار «الخضر» بريطانيًا في شكله، لكنه يعكس سؤالًا غربيًا يتوسع يومًا بعد يوم: هل يمكن أن تبقى الصهيونية خارج دائرة النقد السياسي، أم أن مرحلة جديدة بدأت يصبح فيها المشروع الصهيوني نفسه موضوعًا للنقاش داخل الغرب؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما جرى في برايتون؛ فالمسألة لم تعد مجرد قرار لحزب صغير أو موقف عابر، وإنما مؤشر على أن القضية الفلسطينية تعيد فرض نفسها داخل السياسة الغربية من بوابة مختلفة: بوابة إعادة تعريف الصراع، وليس فقط البحث عن كيفية إدارته.