لبنان و“حروب الآخرين”

الإعلامي خضر رسلان

حين يصبح أهل الأرض غرباء في وطنهم
في كل مرة يتعرّض فيها الجنوب، الجزء المفترض أنه جزءٌ لا يتجزأ من الجمهورية اللبنانية، لاعتداءات إسرائيلية، أو يسقط شهيد على تخوم قراه الحدودية، يخرج علينا من يردّد العبارة الجاهزة: “هذه حروب الآخرين على أرض لبنان.” عبارة تبدو للوهلة الأولى ذكية، حيادية، وربما “سيادية”. لكنها، عند أول احتكاك حقيقي مع التاريخ، تسقط كقناعٍ ملتبس يخفي عجزاً مزمناً عن فهم لبنان… أو ربما رغبة متعمّدة في إنكار جزء من شعبه.
من هم “الآخرون” تحديداً؟
هل هم أولئك الذين واجهوا العدوان منذ معركة المالكية عام 1948، حين تقدّم الجيش اللبناني بقيادة الشهيد محمد زغيب وسقط دفاعاً عن الأرض؟
أم الذين سقطوا في مجزرة حولا وغيرها من المجازر التي لم تكن “حروباً مستوردة”، بل اعتداءات مباشرة على قرى لبنانية؟
أم أولئك الذين طرقوا أبواب الدولة، طلباً للحماية، فلم يُفتح لهم باب، منذ عهد بشارة الخوري؟
ولعلّ من أكثر اللحظات دلالةً على زيف هذه المقولة، تلك الرسالة التي وجّهها الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين إلى رئيس الجمهورية. لم تكن الرسالة بياناً سياسياً ولا دعوةً إلى مغامرة، بل صرخة وطنية صادقة تطالب بأبسط وظائف الدولة: حماية مواطنيها.
في تلك الرسالة، التي جاءت في ظلّ تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية، وضع السيد شرف الدين الدولة أمام مسؤولياتها المباشرة. تحدّث بوضوح عن قرى تُقصف وتُروّع، وعن أهالٍ يعيشون تحت تهديد دائم، بلا حماية كافية ولا حضور فعلي للجيش. طالب بإرسال القوات النظامية إلى الحدود، وتعزيز مواقع الدفاع، ومنع تكرار الاعتداءات التي باتت شبه يومية.
وهنا المفارقة القاسية: الدولة التي استطاعت، حين قرّرت، أن ترسل ضباطها وجنودها إلى المالكية، وأن يخوض الشهيد محمد زغيب معركته هناك، كانت قادرة – لو أرادت فعلاً – أن تحمي قراها وحدودها، وأن تمنع تحوّل الجنوب إلى ساحة مستباحة. لكن الإرادة السياسية كانت دائماً الحلقة الأضعف.
لكن ما هو أعمق من المطالب الأمنية، كان البعد الوطني في الرسالة: تأكيد أن أبناء الجنوب ليسوا طارئين على الكيان، ولا “ساحة” لأحد، بل هم في صلب هذا الوطن. وأن إهمالهم أو تركهم مكشوفين ليس قدراً، بل خياراً سياسياً.
المفارقة أن هذه الصرخة لم تلقَ ما تستحقه من استجابة. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لـ“الآخرين”: حين تعجز الدولة عن حماية جزء من شعبها، تتحوّل المشكلة من تقصير إلى خطاب، ومن مسؤولية إلى تبرير.
منذ ذلك الزمن، بدأ يتكرّس في الوعي الجنوبي شعور مرير: نحن لسنا أولوية… نحن في الهامش… نحن “الآخرون”. ومع كل جولة اعتداء، كانت هذه الفكرة تتعمّق، لا بسبب “حروب الآخرين”، بل بسبب غياب الدولة نفسها.
هنا يكمن جوهر الأزمة اللبنانية.
ليست المشكلة في “حروب الآخرين”، بل في دولة لم تحسم يوماً تعريف نفسها:
هل هي دولة لكل مواطنيها؟ أم نادٍ مغلق تديره طبقة تخاف من أطرافه أكثر مما تخاف على حدوده؟
عندما يُترك جزء من الأرض مكشوفاً، يصبح الدفاع عنه شبهة.
وعندما يُترك جزء من الشعب وحيداً، يصبح صموده تهمة.
وعندما تُختزل الوطنية في جغرافيا ضيقة، يتحوّل باقي الوطن إلى “ساحة”.
إن إعادة ترداد مقولة “حروب الآخرين” اليوم، بعد كل هذا التاريخ، ليست فقط تبسيطاً مخلّاً، بل هي إنكار فجّ للوقائع. هي محاولة لإعادة إنتاج نفس الخطأ: التنصّل من المسؤولية، وتحميل الضحية عبء الجريمة.
لبنان لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى مراجعة عميقة:
مراجعة تعيد تعريف “اللبناني” خارج الحسابات الطائفية الضيقة، وخارج منطق المركز والهامش، وخارج وهم أن بعض الدم لبناني أكثر من غيره.
لأن الحقيقة التي لم يعد ممكناً الهروب منها هي هذه:
طالما هناك من يُصنَّف “آخر” داخل لبنان، فإن لبنان نفسه سيبقى بلداً مؤجلاً… دولة تبحث عن شعبها، وشعباً يبحث عن دولة.