لبنان ومصارعة الثيران

بقلم المستشار الدكتور قاسم حدرج

في الدول التي تقام فيها لعبة مصارعة الثيران يجلس المتفرجون على مقاعدهم ليشاهدوا معركة تدور بين انسان وثور والتي تنتهي غالبا بسقط الثور صريعا وأنتصار الأنسان الذي يتفوق على قوة خصمه بعقله وخفة حركته وبأستخدامه للسلاح عند احساسه بتفوق خصمه عليه لينفض بعدها الجمهور غير أسف على الثور ولا متعاطفا مع قاتله اما في لبنان والذي منذ تأسيسه فقد استخدمت ارضه كحلبة لصراع الثيران وأدمن شعبه على متابعة هذه الرياضة بعد ان وضع لها قواعد جديدة غير مألوفة تاريخيا فاللبناني في المدرجات ليس مجرد مشاهد بل هو طرفا في اللعبة

ومراهن على نتيجتها وينقسم بين مشجع للمصارع وأخر مشجع للثور

وبحيث لا تنته المعركة بمصرع احدهما بل تنتقل لتبدأ في المدرجات بحيث يقتل ويجرح العديد من الثيران الذين فاق غضبهم غضب الثور الذي يثيره اللون الأحمر لأنهم يثارون من مختلف الألوان فهذا يثيره اللون الأخضر وذاك البرتقالي واخر الأصفر وبحيث تستمر معارك الالوان الى ان يتدخل الأتحاد الدولي فيفصل بين مدرجاتهم بقوى متعددة الجنسيات تتبع لدول المصارعين والثيران الذين اتخذوا محل اقامة لهم دائم في لبنان واصبح لهم مشجعين ثابتين في المدرجات وأصبح اللبناني خاضع على ارضه لسلطة من يدير شؤون اللعبة .

واليوم وبالرغم من ان الاتحاد الدولي للعبة قد تم تجميد نشاطه والمصارعين اعلنوا اعتزالهم والثيران انتقلت من الحلبة الى الحقل للأستفادة من قدراتها في حراثة الأرض بدلا من حراثة البشر الا ان هوس اللبنانيين باللعبة لم ينقطع وما زالوا معترضين على تجميد اللعبة ومصرين على التلويح براياتهم الملونة واستحضار ثيرانهم الى الحلبة

فهذا يعقد مؤتمرا تحريضيا في خلدة وذاك يعلن اطلاق حزب لمواجهة

المصارع الأيراني وأخر يستحضر معاركه الدنوكيشوتية مع السوري

والأنكى من كل هذا هو ذاك الذي كان يعطي مقعده للمشاهد السوري او يضعه في حضنه اصبح اليوم يدعوه الى الرحيل طردا او ملاقاته في حلبة النزال لأنه اصبح مدمنا على مشاهد القتل ورائحة الدماء اما الأكثر غرابة في المشهد هو ان المعارك الوحيدة التي خاضها لبنان ضد ثور اجنبي

مستخدما الراية الصفراء بدلا من الحمراء وأنتهت بأنتصار مصارعه فأن

مجموعة من المتفرجين اللبنانيين كانوا يتلهفون لرؤية مصارعهم صريعا

على الحلبة وما زالوا يراهنون حتى الساعة لعودة هذا الثور اكثر قوة وبطشا عسى ان تكون له الغلبة هذه المرة .

مسكين هو هذا المشاهد اللبناني الذي صب اهتمامه على المتصارعين في الحلبة ولم يلتفت الى انه اثناء انشغاله بنتيجتها كان المسؤول عن المراهنات يجمع كل حصيلة الأيرادات التي تكدست على مدى سنوات

ويقوم بتهريبها الى الخارج فكان المنتصر الوحيد في هذه المعركة والجميع خاسرون وعندما ظهر له من يعترض طريقه ويمنع هروبه

وقف المتفرجون حائلا بينها وبينه وحموه ودافعوا عنه وسهلوا هروبه

لأن من اعترضت طريقه تحمل راية برتقالية ففضلوا ان يفلت المجرم

بفعلته ويسرق اموالهم على ان يسجل الأنتصار للراية البرتقالية

ولم يلتفتوا الى ان معظم المدرجات باتت محتلة من جنسيات اخرى تكاد لا تترك موطىء قدم للبناني بينما هو يتلهى في البحث عن معركة ينتصر فيها للون رايته التي باتت ممزقة ومهترئة من كثرة التلويح بها في معارك لا هو فيها المصارع ولا حتى الثور .