بقلم: الإعلامي خضر رسلان
في السياسة، تستطيع الثورات أن تهزم خصومها، لكن القليل منها ينجح في هزيمة الزمن. فالزمن هو الامتحان الذي تسقط فيه الشعارات، وتتآكل فيه الزعامات، وتفقد فيه الثورات وهجها الأول. أما الثورة الإسلامية في إيران، فتبدو وكأنها اختارت أن تخوض هذا الامتحان كل عقد، وأن تخرج منه أكثر رسوخًا.
ليست الثورات جميعها سواء، فبعضها يغيّر نظامًا سياسيًا ثم يدخل متحف التاريخ، وبعضها يتحول إلى دولة تفقد مع الزمن وهجها الأول، لكن ثمة ثورات نادرة تملك القدرة على تجديد نفسها كلما ظن خصومها أنها شارفت على الأفول. والثورة الإسلامية في إيران، منذ انتصارها عام 1979، تبدو واحدة من هذه الظواهر الاستثنائية.
ففي الأول من شباط عام 1979، لم يكن استقبال الإمام روح الله الخميني في طهران مجرد احتشاد جماهيري، بل كان مشهدًا استثنائيًا في التاريخ الحديث. ملايين الإيرانيين خرجوا لاستقبال قائدٍ عاد من المنفى، لا يملك جيشًا ولا سلطةً ولا مالًا، بل يملك ثقة شعب آمن بقيادته، ورأى فيه نموذجًا للزهد والشجاعة والاستقلال، فكان ذلك الاستقبال إعلانًا عن ولادة عهد جديد، لا مجرد انتقال للسلطة.
غير أن ما يلفت النظر أكثر من لحظة العودة، هو ما جرى بعد عشرة أعوام من الحكم. فالتاريخ يخبرنا أن معظم الحكام يفقدون شيئًا فشيئًا بريقهم الشعبي، وأن سنوات السلطة تُراكم الأخطاء وتستهلك الرصيد الجماهيري، لكن ما حدث عند رحيل الإمام الخميني عام 1989 شكّل استثناءً لافتًا؛ إذ خرجت الملايين لتشييعه بأعداد تجاوزت بأشواط الحشود التي استقبلته يوم عاد إلى الوطن، في مشهدٍ بدا وكأنه استفتاء شعبي متجدد على الثورة نفسها، لا على شخص مؤسسها فحسب.
فالزمن، في التجارب السياسية، ليس عاملًا محايدًا. فهو كفيل بإسقاط أكثر الزعامات شعبية، وإطفاء وهج أكثر الثورات صخبًا، وتحويل الشعارات الكبرى إلى مجرد ذكريات. ولذلك، فإن الثورة التي تبقى حية بعد عقود، وتنجح في حشد هذا الحضور الشعبي كلما واجهت امتحانًا مصيريًا، لا تكون قد انتصرت على خصومها وحدهم، بل تكون قد تجاوزت الامتحان الأصعب… امتحان الزمن.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية، يتكرر المشهد بصورة مختلفة. فالحشود التي ودّعت قادةً وشهداء في أعقاب العدوان الأخير، وما رافقها من مشاعر جارفة والتفاف شعبي واسع حول الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، لم تكن مجرد رد فعل عاطفي على حدث أمني أو عسكري، بل كانت تعبيرًا عن علاقة متجذرة بين القيادة وجمهورها. ولذلك، لم يكن توصيف أن “دماء الشهداء جددت شباب الثورة” شعارًا سياسيًا، بل وصفًا دقيقًا لواقع أظهرته الساحات والشوارع قبل أن تكتبه وسائل الإعلام.
ولعل هذا هو الفارق بين الثورات التي يصنعها حدث عابر، والثورات التي تصنعها عقيدة راسخة. فالأولى تهزم خصومها مرة، ثم يهزمها الزمن، أما الثانية فإنها قد تتعثر، وقد تدفع أثمانًا باهظة، لكنها كلما اشتدت عليها المحن استعادت أسباب قوتها، وكأن الزمن الذي يُفترض أن يستنزفها يتحول إلى عاملٍ في ترسيخها. ومن هنا يمكن القول إن الثورة الإسلامية لم تنتصر على خصومها فحسب، بل انتصرت على الزمن نفسه؛ لأنها لم تبق أسيرة لحظة التأسيس، وإنما حافظت على قدرتها في تجديد شرعيتها واستنهاض جمهورها جيلاً بعد جيل.
يبقى السؤال: ما سر هذا التماسك بعد ستة وأربعين عامًا من قيام الثورة؟ ولماذا لا تزال هذه القيادة تحظى بهذا المستوى من الالتفاف الشعبي رغم العقوبات والحروب والضغوط؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في البعد العقائدي وحده، وإن كان يشكل الركيزة الأساسية. فالشعب الإيراني، الذي يستند إلى تاريخ حضاري ضارب في عمق الإنسانية، وإلى تراث ديني وثقافي متصل بنهج أهل البيت عليهم السلام، وجد في الثورة الإسلامية مشروعًا أعاد الاعتبار لهويته الوطنية والدينية في آن واحد، وربط بين الانتماء الحضاري والاستقلال السياسي، وبين الإيمان والنهضة، وبين الأصالة ومواكبة العصر.
ومنذ الأيام الأولى، رفعت الثورة الإسلامية شعار “لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية”، ولم يكن ذلك مجرد شعار أيديولوجي، بل إعلانًا واضحًا عن ولادة مشروع يرفض الارتهان للقطبين اللذين كانا يحكمان العالم آنذاك. وقد دفعت إيران ثمن هذا الخيار منذ اللحظة الأولى؛ حصارًا، وعقوبات، وحروبًا، وعمليات استنزاف سياسي وأمني واقتصادي، لكنها في المقابل نجحت في ترسيخ معادلة الاستقلال الوطني، وبناء دولة استطاعت، رغم كل الضغوط، أن تفرض حضورها في معادلات الإقليم والعالم.
ولعل أبرز ما ميّز هذه الثورة أنها لم تتحول إلى ظاهرة مرتبطة بكاريزما مؤسسها، كما حصل في تجارب كثيرة انتهت بانتهاء أصحابها، بل نجحت في الانتقال من مرحلة القيادة المؤسسة إلى مرحلة الدولة المستقرة، دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن مرتكزاتها الفكرية والسياسية. فبعد رحيل الإمام الخميني، لم تدخل الجمهورية الإسلامية مرحلة الارتباك، بل واصلت مسيرتها بقيادة الإمام السيد علي الخامنئي، لتؤكد أن المشروع كان أعمق من أن يكون مشروع فرد، وأن الثورة أصبحت ثقافة راسخة في وجدان جمهورها قبل أن تكون نظامًا سياسيًا.
وربما لهذا السبب أخطأ كثيرون في تقدير قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود. فمنذ أكثر من أربعة عقود، لا تكاد تمر سنوات إلا ويُعلن عن “النهاية الوشيكة” للثورة، ثم تأتي الأحداث لتثبت العكس. فمن الحرب المفروضة، إلى العقوبات الاقتصادية، إلى الاغتيالات، إلى المواجهات الإقليمية، وصولًا إلى العدوان الأخير، كانت التوقعات تتكرر، لكن النتيجة بقيت واحدة: كلما اشتد الضغط الخارجي، ازداد التماسك الداخلي، وتجدد الالتفاف الشعبي حول خيار الاستقلال والسيادة.
إن مشاهد التشييع المليونية سواء في إيران او العراق والعديد من دول العالم لا يمكن قراءتها باعتبارها انفعالًا عابرًا فرضته حرارة الحدث، بل هي مؤشر سياسي واجتماعي بالغ الدلالة. فالجماهير لا تمنح هذا القدر من الوفاء لسلطة فقدت شرعيتها، ولا تخرج بهذا الزخم إذا كانت العلاقة مع قيادتها قد انقطعت. وما شهدته شوارع ايران لم يكن مجرد وداع لشهداء وقادة، بل تجديدًا للعهد مع النهج الذي قامت عليه الثورة منذ انتصارها.
وهنا يكمن الفارق بين الثورات التي تعيش على ذكرى انتصارها، والثورات التي تحوّل كل تحدٍ إلى فرصة لتجديد مشروعها. فالثورة الإسلامية لم تتوقف عند حدث عام 1979، ولم تبقَ أسيرة الماضي، بل أثبتت، مرة بعد أخرى، أنها تمتلك قدرة نادرة على إعادة إنتاج شرعيتها الشعبية كلما ظن خصومها أن الزمن يعمل لمصلحتهم.
ولذلك، فإن من يريد أن يفهم إيران اليوم، لا يكفيه أن يقرأ تقارير مراكز الأبحاث أو يتابع نشرات الأخبار، بل عليه أن يتأمل في تلك الحشود التي استقبلت الإمام الخميني بالملايين عند عودته، ثم ودعته بأعداد أكبر عند رحيله، وعادت اليوم لتملأ الساحات وهي تشيع شهداءها وتجدد بيعتها لقيادتها. ففي هذه المشاهد تختصر الثورة الإسلامية سر بقائها، ويكمن الجواب الحقيقي عن سؤال طالما حيّر خصومها: لماذا، وبعد ستة وأربعين عامًا، ما زالت الثورة قادرة على أن تولد من جديد كلما ظن الآخرون أنها بلغت نهايتها؟
ولذلك، فإن سرّ الثورة الإسلامية لا يكمن فقط في أنها صمدت ستةً وأربعين عامًا، بل في أنها استطاعت، في كل منعطف تاريخي، أن تحوّل الزمن من خصمٍ يستهلك الثورات إلى شاهدٍ على تجددها. وهنا تحديدًا تكمن خصوصية الثورة التي هزمت الزمن.