رياض سلامة: بين تبرئة محليّة وحسابات دولية‎

كتبت ريتا النمير:

 

في يوم الثلاثاء، قرر القضاء اللبناني، تحت إشراف المدعي العام التمييزي القاضي جمال الحجار، توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة لمدّة أربعة أيام لإجراء التحقيقات اللازمة في قضية اختلاس أموال.

‏‎ولكن يظل التساؤل:من أين جاء القاضي جمال الحجار بهذه الجرأة لإتخاذ مثل هذا القرار؟ هل تحوّل القضاء اللبناني بين عشيّة وضحاها ليحرر نفسه من قبضة حيتان المنظومة السياسية الفاسدة؟ إنه لأمر يثير الدهشة!

‏‎في الوقت الحالي، يُحقق مع حاكم مصرف لبنان السابق في ثلاث قضايا رئيسية تتوزع بين التحقيقات المحلية والدولية: أولا، التحقيقات المحلية التي تشمل مسؤوليته عن الإنهيار المالي في لبنان، وإساءة استخدام السلطة، والفساد، وسوء التصرف المالي، بما في ذلك تهم تتعلق بالتحويلات المالية المشبوهة؛ ثانياً، التحقيقات الأوروبية بشأن اختلاس أموال تخص شركة ” فوري أسوشييتس” المملوكة لشقيقه رجا سلامة، واخرى تتعلق بشركة “أوبتيموم إنفست”؛ وثالثا، تُهم تبييض الأموال وجمع ثروة كبيرة في أوروبا.

‏‎من المؤكد أن محاكمته في القضية الأولى قد لا تُجرى، لأن ذلك قد يؤدي إل انهيار المنظومة بأكملها، و من المؤكد أيضاً أن الحاكم السابق لن يقبل أن يكون “كبش فداء” في الوقت الذي استفاد فيه جميع السياسيين من السياسات المالية التي اتبعها على مدى ٣٠ عاماً، وبالتالي “عليّ وعلى أعدائي”. وهذا يفسّر لماذا وقفت الحكومة اللبنانية في عام ٢٠٢١ ضدّ القاضي جان طنوس عندما قامت القوى الأمنية المؤازرة له بمداهمة المصارف، بعد أن رفضت هيئة التحقيق التي يرأسها سلامة رفع السرية المصرفية عن رجا سلامة لتحديد هوية المستفيدين من التحويلات المالية المتعلقة بشركة فوري.

‏‎أما بالنسبة للقضايا المتعلّقة باختلاس وتبييض الأموال في أوروبا، فلا مفرّ من محاكمتها. لذلك، يبدو أن الدولة اللبنانية ومسؤوليها الكبار قد وجدوا حلاً يحمي رياض سلامة من العقاب في الخارج،حيث إن السيادة القضائية للدولة تتفوق على السيادة الدولية، كما حدث في قضية كارلوس غصن. من الناحية القانونية، اذا تمت محاكمة الفرد في بلده الأصلي ونُفذ الحكم بحقه، فلا يمكن اعادة محاكمته على نفس الجريمة في بلد آخر بناءً على مبدأ “عدم المحاكمة مرة أخرى على نفس الجريمة” (ne bis in idem). ومع ذلك يمكن محاكمته في بلدٍ آخر عن جرائم مختلفة أو أفعالٍ جديدة لم يحاكم عليها من قبل.

‏‎إذاً، في حال كان الهدف من هذا التوقيف هو حماية رياض سلامة من المحاكمة في قضية اختلاس الأموال في أوروبا، فإن هناك جريمة أخرى يمكن محاسبته عليها في الخارج، وهي تبييض الأموال.

‏‎بالتالي، ما حدث يوم الثلاثاء يثير حالة من الاحباط والغموض تجاه النظام القضائي والسياسي في لبنان. فكان من الأجدى بالقضاء اللبناني أن يتحرك لمحاسبة المسؤولين عن الأزمات الاقتصادية، بما في ذلك رياض سلامة، الذي يُتهم بدور كبير في الأزمة المالية وسرقة أموال المودعين، لو كانت “النية صافية”. لكن للأسف، غالباً ما يتجاهل حكامنا المصالح العامة وينشغلون بمصالحهم الشخصية مما يجعلهم غير صالحين لادارة الشأن العام بفعالية، فكيف يمكنهم ادارة الدولة؟ اذا كان يمكننا بعد اليوم الحديث عن “دولة”.

 

ريتا النمير _ موقع شبكة جبل عامل الإعلامية

@ritanmeir1

@Jabalamellorg