| الياس فرحات | عميد ركن متقاعد
يُعتبر قرار وقف إطلاق النار الحالي في لبنان أغرب قرار وقف إطلاق نار في العالم. إنّه قرار لم يصدر عن هيئة مثل مجلس الأمن، كما حصل في العام 2006 (القرار 1701)، أو عن حكومات مثل قرار وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 الصادر عن حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. بالمقابل، ثمة مذكرة لقيطة صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية لا أمّ ولا أباَ لها حتى الآن. عام 2006، أنشأ مجلس الأمن، بموجب القرار 1701، قوة دولية معززة تنتشر في الجنوب وتفصل بين إسرائيل ولبنان، كما أنشأ لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار، تتألف من ضابط من القوة الدولية، وآخر من الجيش اللبناني، وثالث من الجيش الإسرائيلي. عام 2024، تقرر، في إعلان وقف الأعمال العدائية الذي أصدرته حكومتا الولايات المتحدة وفرنسا، توسيع عمل لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار، وإضافة عضو فرنسي، وأن يكون رئيسها أميركياً، وسُمّيت “لجنة الميكانيزم” (Mechanism). أما قرار وقف النار الحالي، فقد صدر عن الرئيس دونالد ترامب شخصيًا، في أعقاب اتصال هاتفي مع الرئيس اللبناني جوزاف عون ومع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وحدّده لمدة عشرة أيام، ثم عاد ومدّده لمدة ثلاثة أسابيع.
لم يحدد ترامب خط وقف إطلاق النار، ولا آلية التنفيذ، ولا الجهة التي من المفترض أن تشرف على التنفيذ، ولا مرجعيات المراقبة، علمًا أنه، في وقت سريان مفعول القرار، كانت قوات المقاومة اللبنانية، حزب الله، متداخلة ميدانيًا مع القوات الإسرائيلية في نقاط عدة، أبرزها بنت جبيل والخيام والبياضة ونقاط أخرى. بالطبع، يدرك مستشارو ترامب أن «وقف إطلاق النار» (باعتباره ليس اتفاقًا بين جهتين، بل قرارًا مفروضًا من رئيس الولايات المتحدة) لا يمكن أن يُطبّق بهذا الشكل من دون تحديد خط أو مرجعية مراقبة. ولهذا، رافق صدور القرار تصريحات عديدة من ترامب ومن أركان إدارته، تؤكد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. يختلف هذا القرار عن قرار وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لأنه لا يوجد اتصال جغرافي مباشر بين هذه الدول، ولا يوجد خط تماس عسكري، سوى ما قد يحدث عندما تقترب السفن الحربية الأميركية من الساحل الإيراني، وهي لا تزال على بعد نحو 700 كلم من ساحل إيران. (تجدر الإشارة إلى أن الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية لم يشمل تقدم السفن الحربية الأميركية إلى مضيق هرمز، بل تمارس حصارها من بحر العرب والمحيط الهندي). في ظل هذا الوضع المرتبك، لا نستغرب إذا لم يُنفَّذ وقف إطلاق النار من قبل إسرائيل، ولن نستغرب إذا ما وسّعت إسرائيل خرق القرار إلى مناطق بعيدة عن الجبهة، وصولًا إلى بيروت أو البقاع، لأن ظروف هذا القرار تسمح لإسرائيل بخرقه بحجة الدفاع عن أمنها أو ضمان أمن المستوطنات الشمالية. في المقابل، لا يبدو أن المقاومة ستسكت كما سكتت من 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لغاية 2 آذار/نوفمبر 2026، وهي تتصدى اليوم ضمن مناطق الاشتباك. هذا القرار يدفع الأوضاع في جنوب لبنان إلى أن تنزلق تدريجياً وتتحول إلى حرب قد تمتد إلى الداخل اللبناني والعمق الإسرائيلي. طبعًا، من أصدر هذا القرار يدرك إلى أين يتجه فعليًا، وهو لم يتخذه بشكل عفوي ولا بهفوة، لأنه يمتلك في أرشيفه كل المعلومات عن اتفاقات وقف إطلاق النار على أنواعها، وضرورة وجود تفاصيل عن هيئات المراقبة والإشراف على أي قرار بوقف إطلاق نار. يدفع هذا القرار اللبنانيين إلى ألّا يطمئنوا لنوايا إسرائيل، وأن يهجسوا بما يمكن أن ينتج عن هذا الالتباس المفخخ وغياب آلية توضّح وضع القوى المتحاربة ووضع الميدان، وهذا ما يجعل نتنياهو يبادر إلى تصعيد إعتداءات جيشه ضد لبنان عند أول فرصة سانحة. تبقى إشارة أخيرة إلى أن وقف النار الحالي لم يرتبط رسمياً بمذكرة التفاهم التي عممتها وزارة الخارجية الأميركية وتتحدث بموجبها عن تفاهمات لبنانية إسرائيلية تعطي لإسرائيل اليد الطولى في كل ما تقوم به، بما في ذلك حق الدفاع عن النفس في أي وقت وفي مواجهة أي تهديد وشيك أو محتمل أو جارٍ، خلافاً لاتفاق 27 تشرين/نوفمبر الذي كان يُعطي حق الدفاع عن النفس للجانبين. فالمذكرة صدرت من واشنطن وتتنصل منها كل مؤسسات الدولة اللبنانية من أعلى الهرم إلى أسفله.