خطاب السّيادة بديلاً عن ممارستها

 

| محمد كركي (باقر) |

باحث وخبير في الاتصال السياسي.

 

ليست كل وصاية تُفرَض بالقوة، بعضها يُمارَس بهدوء، حتى تقتنع الدولة بأن ما فُرض عليها هو منتهى العقلانية. ليس في الأمر مبالغة عند القول بأن أخطر ما تواجهه الدول الضعيفة ليس الضغط الخارجي في ذاته، بل اللغة التي تُعيد تعريف الممكن بالنسبة لنخبَتِها وعموم شعبِها، وتجعل القيود المفروضة تبدو كمعطيات طبيعية، وتطلب من الداخل التكيّف معها بوصف ذلك “حكمة”؛ السيادة لا تُنتزع فقط بالقوة، بل قد تُفرَّغ من مضمونها عبر ترك مفاصلها ورموزها لموقع القيادة وتحوّلهم إلى موقع الإدارة.

 

ليس الهدف مساءلة نيات رئيس الجمهورية الموقّر، ولا الدخول في سجال شخصي أو سياسي مباشر مع طاقمه الذي يبدو وكأن بعضه يلعب دورًا أكبر من وظيفته. بل الهدف من حديثي هذا هو تفكيك الإطار الذي صيغ فيه الخطاب الرئاسي الأخير، والوقوف عند ما يكشفه هذا الخطاب عن موقع الدولة كما يُصاغ من جديد ويُعاد تعريفه: لا في المواجهة، بل في التكيّف؛ لا في الردع، بل في إدارة الخوف.

الرئيس، في الأنظمة الحديثة، لا يتكلم من فراغ. الخطاب الذي يُلقى باسم الدولة هو نتاج صياغة، اختيار مفردات، وترتيب أولويات. والأهم: هو نتاج سقف مُسبق لما يُعتبر ممكنًا – أو عقلانيًا. وعندما يُدفع رأس الدولة إلى خطاب يفترض سلفًا أنه ليس متاحًا له قدرة رؤية سياديّة أعلى، ولا هامش مناورة أوسع، فإن الإشكال لا يكون في قرار موقع الرئاسة الأولى نفسه، بل في الإطار الذي جعل هذا القرار يبدو -في نظره- الخيار الوحيد؛ بهذا المعنى، لا نتحدث عن تبنٍّ واعٍ لإرادة خارجية، بل عن تأطير ناعم يجعل هذه الإرادة تبدو كأنها حدود الواقعية السياسية ذاتها.

 

ليس الخلاف، في جوهره، على هدف بناء الدولة، بل على اللغة التي يُعاد عبرها تعريف هذا الهدف. فالخطاب السياسي لا يُقاس فقط بما يعلنه – بل بما يستبعده، وبما يحوّله تدريجيًا إلى مسلّمات غير قابلة للنقاش. عندما يُعرَّف التهديد انطلاقًا مما قد يصدر عن لبنان – لا مما يُمارَس عليه من ضغوط وتجاوز، ينتقل النقاش من حماية الدولة إلى إدارة سلوكها. الدولة – في هذه الصيغة، لا تُعامَل ككيان مُعتدى عليه، بل كساحة مطلوب ضبطها؛ هكذا تُستبدل معادلة الدفاع بمعادلة تفرض على الداخل اللبنانيّ الواقع تحت الاستهداف أن يثبت حسن السلوك تحت النار – بدل أن يطالب بالحماية؛ وهذا ما يُهمسُ به في آذان بعض المستشارين: عليكم فرض الامتثال الوقائي.

ثم يأتي الانتقال الثاني – الأكثر خطورة: من الردع إلى ما يُسمّى “السيطرة العملانية”. ضبط الداخل ومنع الانفلات؛ وظيفة بديهية لأي دولة، لكن اختزال الوظيفة الدفاعية في هذا الدور وحده يطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: كيف تُمنع الاعتداءات؟ وكيف تُفرض كلفة مرتفعة رادعة على من ينتهك السيادة؟ الدولة التي تكتفي بإدارة الخطر، من دون أدوات لتغييره، تُخاطر بالتحوّل من مرجعية سيادية إلى جهاز قمع.

يكتمل هذا المسار حين يُعلَن أن القرار “سيادي”، بينما يُربط تنفيذه بالإمكانات والظروف. السيادة، ماذا يتبقى منها في هذه الحالة؟ سوى إعلان النوايا؛ لا حديث عن واقع قدراتها التطبيقيّة، وانفصال تام عن خوض مواجهة سياسيّة لتأمين الأدوات اللازمة لتحقيق السيادة. فوق ذلك يُفرض تعتيم على القيود الخارجية – فيصبحُ ممنوعًا تسميتها، ثم يتحوّل العجز إلى واقع طبيعي، لا إلى مسألة سياسية قابلة للمساءلة والتفاوض.

 

أما “العقلانية”، فتعاد صياغتها بوصفها قبولًا بالسقف القائم لا محاولة لتعديله. العقلاني، في هذا المنطق، ليس من يدير ميزان القوى، بل من يمتثل له. وهكذا تُفرغ العقلانية من بعدها الاستراتيجي، وتتحوّل إلى أداة انضباط لغوي وأخلاقي، تُستخدم لنزع الشرعية عن أي تفكير خارج الإطار المرسوم. ثم تُدار الاعتداءات لا بوصفها خرقًا يجب أن يُغيّر المعادلة، بل بوصفها وقائع تُحتوى دبلوماسيًا. صحيح أن إدارة الأزمات قد تمنع الانفجار، لكنها لا تصنع أمنًا دائمًا. الإعتداء الذي لا يُواجَه بتغييرٍ في أدوات الردع يتحوّل إلى سلوك روتيني، ويُراكم اختلالًا يصعب تصحيحه لاحقًا. فلا مَن يرى أبعَدَ من مدّة سلطته – ولا مَن يعقِلون.

وأخيرًا، تُختزل السيادة في الداخل: قضاء، أمن، إدارة، وغيرها… كل ذلك مهم – بل ضروري، لكن الدولة التي تضبط الداخل ولا تحمي السماء والبحر والحدود، تمتلك سيادة إدارية لا سيادة استراتيجية، والفرق بينهما ليس لغويًا، بل مصيريًا.

 

 

*ما تقوله واشنطن… وما يعكسه كلام الرئيس*

 

هذه الصيغة من السيادة ليست وليدة اجتهاد محلي معزول – لا يكثر الحمقى الذين يصدقون أن هنالك تفصيل معزول عن الخارج في مثل هذه الأيام – لكن المصيية أنها تتطابق، بندًا بندًا، مع ما تقوله الإدارة الأميركية علنًا عن لبنان.

فالخطاب الأميركي يحمّل لبنان مسؤولية ما يصدر من أرضه، ويطالب بنزع سلاح الفاعلين غير الرسميين، ويُدرج إسرائيل ضمن خانة “الدفاع عن النفس”، ويعرّف الاستقرار بوصفه منع “الأفعال المزعزعة”.

كما لا تتردد واشنطن في رسم خطوط سياسية داخلية، وصولًا إلى وضع “خطوط حمراء” تتعلّق بمشاركة قوى لبنانية بعينها في الحكم، بوصف ذلك شرطًا للاستقرار.

وفي ما يتعلّق بالجيش اللبناني، تُقدّمه الإدارة الأميركية كأداة ضبط داخلي: فرض سلطة، منع تهريب، ضبط حدود. لكن من دون أي حديث عن ردع إسرائيل، أو حماية المجال الجوي والبحري، أو تغيير ميزان القوى. المساعدات هنا تُدرج ضمن منطق إدارة الخطر، لا ضمن بناء قدرة ردعية سيادية.

 

الكلام الرئاسي، كما صيغ، لا يخرج عن هذا الإطار قيد أنملة؛ هو يتبنّى الضبط ويجرّم التصعيد، يفصل القرار عن القدرة ويدعو الداخل إلى “التعقّل”. وفي المقابل، ينسى – بشكل عجيب – أي مطالبة برفع القيود على التسليح، أو أي توصيف لإسرائيل كتهديد سيادي مباشر، أو أي طرح لمعادلة ردعية بديلة، هذا الغياب – في ظل مطالب خارجية معلَنة ومتكررة – ليس حيادًا! في السياسة، حين تكون الشروط معروفة، فإن عدم مجادلتها هو شكل من أشكال القبول بها؛ سكوتٌ كعلامة رضا.

الانصياع لا يُقاس بالتصريحات، بل بالبنية؛ أولًا، هناك تطابق كامل في جدول الأعمال: كل ما تطلبه واشنطن حاضر، ولا شيء خارج هذا الجدول. ثانيًا، لا وجود لأي مطلب لبناني مقابل: لا شرط سيادي، لا تفاوض على قواعد الاشتباك، لا محاولة لفتح هامش خارج السقف القائم. ثالثًا، والأهم، أن الخطاب لا يُوجَّه إلى الخارج – بل إلى الداخل، طالبًا منه الرضوخ دون السقف بوصفه عقلانية ومسؤولية؛ في السياسة، الانصياع لا يُقاس بما يُقال للخارج، بل بما يُطلب من الداخل الرضوخ له. هنا تحديدًا يتحقّق الانصياع الكامل: عندما تتحوّل الرئاسة – بفعل التأطير – من موقع تفاوض باسم المجتمع، إلى وسيط داخلي لتسويق شروط خارجية.

 

 

*لبنان والكيان: موقعان مختلفان في حسابات العم سام*

 

في المقاربة الأميركية السائدة، تُعامَل إسرائيل كحليف استراتيجي تُحتسب كلفته، وتُبرَّر أفعاله، ويُسمح له بتغيير الوقائع بالقوة. أما لبنان، فيُنظر إليه كساحة يجب ضبطها، وعليها تحمّل مسؤولية ما يحصل عندها، ويُطلب منها التكيّف مع اختلال الردع – لا معالجته – طالما يخدم تفوق إسرائيل. وعندما يعتمد الخطاب الرسمي اللبناني اللغة نفسها التي تستخدمها واشنطن لوصف لبنان، فإنه لا يكون محايدًا، بل منسجمًا مع موقع لبنان كما تراه الولايات المتحدة، لا كما يفترض أن تراه دولة ذات سيادة.

 

لا أحد يقول إن الرئيس تلقّى أوامر، ولا إن نواياه موضع شك – لا سمح الله، بل إن ما يبدو بحسب ما صدر عنه من كلام مباشر لا يقبل النقل والتأويل، إنما هو يتحرّك بالكامل ضمن الإطار الأميركي؛ لم نسمع منه اعتراضًا عليه، لم نره يفاوضه للحفاظ على هامشٍ سياديٍ خارجه. وفي السياسة، هذا هو تعريف الامتثال الكامل، حتى لو حَسُنَت النوايا.